البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٤٤ - ثم دخلت سنة عشر و ثلاثمائة
نفسه بالسم في سنة ثلاث و ستين و مائة، و لا يمكن اجتماعه مع الحلاج أيضا، و إن أردنا تصحيح كلام إمام الحرمين فنذكر ثلاثة قد اجتمعوا في وقت واحد على إضلال الناس و إفساد العقائد كما ذكر، فيكون المراد بذلك الحلاج و هو الحسين بن منصور الّذي ذكره، و ابن السمعاني- يعنى أبا جعفر محمد ابن على- و أبو طاهر سليمان بن أبى سعيد الحسن بن بهرام الجنابي القرمطى الّذي قتل الحجاج و أخذ الحجر الأسود و طم زمزم و نهب أستار الكعبة، فهولاء يمكن اجتماعهم في وقت واحد كما ذكرنا ذلك مبسوطا، و ذكره ابن خلكان ملخصا.
و فيها توفى من الأعيان.
أبو العباس بن عطاء أحد أئمة الصوفية
و هو أحمد بن محمد بن عطاء الأدمي. حدث عن يوسف بن موسى القطان، و المفضل بن زياد و غيرهما، و قد كان موافقا للحلاج في بعض اعتقاده على ضلاله، و كان أبو العباس هذا يقرأ في كل يوم ختمة، فإذا كان شهر رمضان قرأ في كل يوم و ليلة ثلاث ختمات، و كان له ختمة يتدبرها و يتدبر معاني القرآن فيها. فمكث فيها سبعة عشرة سنة و مات و لم يختمها، و هذا الرجل ممن كان اشتبه عليه أمر الحلاج و أظهر موافقته فعاقبه الوزير حامد بن العباس بالضرب البليغ على شدقيه، و أمر بنزع خفيه و ضربه بهما على رأسه حتى سال الدم من منخريه، و مات بعد سبعة أيام من ذلك، و كان قد دعا على الوزير بأن تقطع يداه و رجلاه و يقتل شر قتلة. فمات الوزير بعد مدة كذلك.
و فيها توفى أبو إسحاق إبراهيم بن هارون الطبيب الحراني. و أبو محمد عبد اللَّه بن حمدون النديم.
ثم دخلت سنة عشر و ثلاثمائة
فيها أطلق يوسف بن أبى الساج من الضيق، و كان معتقلا، وردت إليه أمواله و أعيد إلى عمله و أضيف إليه بلدان أخرى، و وظف عليه في كل سنة خمسمائة ألف دينار يحملها إلى الحضرة فبعث حينئذ إلى مؤنس الخادم يطلب منه أبا بكر بن الأدمي القارئ، و كان قد قرأ بين يديه حين اعتقل في سنة إحدى و ستين و مائتين (وَ كَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَ هِيَ ظالِمَةٌ) فخاف القارئ من سطوته و استعفى من مؤنس الخادم فقال له مؤنس: اذهب و أنا شريكك في الجائزة. فلما دخل عليه قرأ بين يديه (وَ قالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي) فقال: بل أحب أن تقرأ ذلك العشر الّذي قرأته عند سجني و إشهاري (وَ كَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَ هِيَ ظالِمَةٌ) فان ذلك كان سبب توبتي و رجوعي إلى اللَّه عز و جل، و كان ذلك على يديك. ثم أمر له بمال جزيل و أحسن إليه. و فيها مرض على بن عيسى الوزير فجاءه هارون بن المقتدر ليعوده و يبلغه سلام أبيه عليه، فبسط له الطريق، فلما اقترب من داره تحامل و خرج إليه فبلغه سلام الخليفة، و جاء مؤنس الخادم معه، ثم جاء الخبر بأن الخليفة قد عزم على عيادته فاستعفى من مؤنس الخادم، ثم ركب على جهد عظيم حتى سلم على الخليفة