البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٤٣ - ذكر صفة مقتل الحلاج
رق له، و استحسن هذا الكلام منه. و قال السلمي: سمعت أبا بكر المحاملي يقول سمعت أبا الفاتك البغدادي- و كان صاحب الحلاج- قال: رأيت في النوم بعد ثلاث من قتل الحلاج كأنى واقف بين يدي ربى عز و جل و أنا أقول: يا رب ما فعل الحسين بن منصور؟ فقال: كاشفته بمعنى فدعا الخلق إلى نفسه فأنزلت به ما رأيت. و منهم من قال: بل جزع عند القتل جزعا شديدا و بكى بكاء كثيرا فاللَّه أعلم.
و قال الخطيب: ثنا عبد اللَّه بن أحمد بن عثمان الصير في قال قال لنا أبو عمر بن حيويه: لما أخرج الحسين بن منصور الحلاج ليقتل مضيت في جملة الناس، و لم أزل أزاحم حتى رأيته فدنوت منه فقال: لأصحابه: لا يهولنكم هذا الأمر، فانى عائد إليكم بعد ثلاثين يوما. ثم قتل فما عاد. و ذكر الخطيب أنه قال و هو يضرب لمحمد بن عبد الصمد و الى الشرطة: أدع بى إليك فان عندي نصيحة تعدل فتح القسطنطينية، فقال له: قد قيل لي إنك ستقول مثل هذا، و ليس إلى رفع الضرب عنك سبيل. ثم قطعت يداه و رجلاه و حز رأسه و أحرقت جثته و ألقى رمادها في دجلة، و نصب الرأس يومين ببغداد على الجسر، ثم حمل إلى خراسان و طيف به في تلك النواحي، و جعل أصحابه يعدون أنفسهم برجوعه إليهم بعد ثلاثين يوما. و زعم بعضهم أنه رأى الحلاج من آخر ذلك اليوم و هو راكب على حمار في طريق النهروان فقال: لعلك من هؤلاء النفر الذين ظنوا أنى أنا هو المضروب المقتول، إني لست به، و إنما ألقى شبهي على رجل ففعل به ما رأيتم. و كانوا بجهلهم يقولون: إنما قتل عدو من أعداء الحلاج. فذكر هذا لبعض علماء ذلك الزمان فقال: إن كان هذا الرأى صادقا فقد تبدي له شيطان على صورة الحلاج ليضل الناس به. كما ضلت فرقة النصارى بالمصلوب.
قال الخطيب: و اتفق له أن دجلة زادت في هذا العام زيادة كثيرة. فقال: إنما زادت لأن رماد جثة الحلاج خالطها. و للعوام في مثل هذا و أشباهه ضروب من الهذيانات قديما و حديثا. و نودي ببغداد أن لا تشترى كتب الحلاج و لا تباع. و كان قتله يوم الثلاثاء لست بقين من ذي العقدة من سنة تسع و ثلاثمائة ببغداد. و قد ذكره ابن خلكان في الوفيات و حكى اختلاف الناس فيه، و نقل عن الغزالي أنه ذكره في مشكاة الأنوار و تأول كلامه و حمله على ما يليق. ثم نقل ابن خلكان عن إمام الحرمين أنه كان يذمه و يقول إنه اتفق هو و الجنابي و ابن المقفع على إفساد عقائد الناس، و تفرقوا في البلاد فكان الجنابي في هجر و البحرين، و ابن المقفع ببلاد الترك، و دخل الحلاج العراق، فحكم صاحباه عليه بالهلكة لعدم انخداع أهل العراق بالباطل. قال ابن خلكان و هذا لا ينتظم فان ابن المقفع كان قبل الحلاج بدهر في أيام السفاح و المنصور، و مات سنة خمس و أربعين و مائتين أو قبلها.
و لعل إمام الحرمين أراد ابن المقفع الخراساني الّذي ادعى الربوبية و أوتى العمر و اسمه عطاء، و قد قتل