البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٨٩ - و هذه ترجمة المعتضد
شجاعته أم من عدم احتفاله بذلك حيث لم يذكره لأحد؟ أم من عدم عتبة على حيث ضننت بنفسي عنه؟ و اللَّه ما عاتبني في ذلك قط.
و روى ابن عساكر عن أبى الحسين النوري أنه اجتاز بزورق فيه خمر مع ملاح، فقال: ما هذا؟ و لمن هذا؟ فقال له: هذه خمر للمعتضد. فصعد أبو الحسين إليها فجعل يضرب الدنان بعمود في يده حتى كسرها كلها إلا دنا واحدا تركه، و استغاث الملاح فجاءت الشرطة فأخذوا أبا الحسين فأوقفوه بين يدي المعتضد فقال له: ما أنت؟ فقال أنا المحتسب. فقال: و من ولاك الحسبة؟ فقال: الّذي ولاك الخلافة يا أمير المؤمنين. فأطرق رأسه ثم رفعها فقال: ما الّذي حملك على ما فعلت؟ فقال: شفقة عليك لدفع الضرر عنك. فأطرق رأسه ثم رفعه فقال: و لأى شيء تركت منها دنا واحدا لم تكسره؟
فقال: لأني إنما أقدمت عليها فكسرتها إجلالا للَّه تعالى، فلم أبال أحدا حتى انتهيت إلى هذا الدن دخل نفسي إعجاب من قبيل أنى قد أقدمت على مثلك فتركته، فقال له المعتضد: اذهب فقد أطلقت يدك فغير ما أحببت أن تغيره من المنكر. فقال له النوري: الآن انتقض عزمي عن التغيير، فقال:
و لم؟ فقال: لأني كنت أغير عن اللَّه، و أنا الآن أغير عن شرطي. فقال: سل حاجتك. فقال:
أحب أن تخرجني من بين يديك سالما. فأمر به فأخرج فصار إلى البصرة، فأقام بها مختفيا خشية أن يشق عليه أحد في حاجة عند المعتضد. فلما توفى المعتضد رجع إلى بغداد و ذكر القاضي أبو الحسن محمد بن عبد الواحد الهاشمي عن شيخ من التجار قال: كان لي على بعض الأمراء مال كثير فماطلني و منعني حقي، و جعل كلما جئت أطالبه حجبنى عنه و يأمر غلمانه يؤذوننى، فاشتكيت عليه إلى الوزير فلم يفد ذلك شيئا، و إلى أولياء الأمر من الدولة فلم يقطعوا منه شيئا، و ما زاده ذلك إلا منعا و جحودا، فأيست من المال الّذي عليه و دخلني هم من جهته، فبينما أنا كذلك و أنا حائر إلى من أشتكى، إذ قال لي رجل: ألا تأتى فلانا الخياط- إمام مسجد هناك- [فقلت و ما عسى أن يصنع خياط مع هذا الظالم. و أعيان الدولة لم يقطعوا فيه؟ فقال لي: هو أقطع و أخوف عنده من جميع من اشتكيت إليه، فاذهب إليه لعلك أن تجد عنده فرجا. قال فقصدته غير محتفل في أمره، فذكرت له حاجتي و مالي و ما لقيت من هذا الظالم، فقام معى فحين عاينه الأمير قام إليه و أكرمه و احترمه و بادر إلى قضاء حقي الّذي عليه فأعطانيه كاملا من غير أن يكون منه إلى الأمير كبير أمر، غير أنه قال له: ادفع إلى هذا الرجل حقه و إلا أذنت. فتغير لون الأمير و دفع إلى حقي] [١].
قال التاجر: فعجبت من ذلك الخياط مع رثاثة حاله و ضعف بنيته كيف انطاع ذلك الأمير له، ثم إني عرضت عليه شيئا من المال فلم يقبل منى شيئا، و قال: لو أردت هذا لكان لي من الأموال مالا
[١] زيادة من نسخة الأستانة