البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٩٤ - خلافة المكتفي باللَّه أبى محمد
كأنما الشمس من أعطافه طلعت* * * حسنا أو البدر من أردانه لمعا
في وجهه شافع يمحو إساءته* * * من القلوب وجيها أين ما شفعا
و لما كان في ربيع الأول من هذه السنة اشتد وجع المعتضد فاجتمع رءوس الأمراء مثل يونس الخادم و غيره إلى الوزير القاسم بن عبيد اللَّه فأشاروا بأن يجتمع الناس لتجديد البيعة للمكتفى باللَّه على بن المعتضد باللَّه، ففعل ذلك و تأكدت البيعة و كان في ذلك خير كثير. و حين حضرت المعتضد الوفاة أنشد لنفسه:
تمتع من الدنيا فإنك لا تبقى* * * و خذ صفوها ما إن صفت و دع الرنقا
و لا تأمنن الدهر إني ائتمنته* * * فلم يبق لي حالا و لم يرع لي حقا
قتلت صناديد الرجال فلم أدع* * * عدوا و لم أمهل على خلق خلقا
و أخليت دار الملك من كل نازع* * * فشردتهم غربا و مزقتهم شرقا
فلما بلغت النجم عزا و رفعة* * * و صارت رقاب الخلق لي أجمع رقا
رماني الردى سهما فأخمد جمرتى* * * فها أنا ذا في حفرتي عاجلا ألقى
و لم يغن عنى ما جمعت و لم أجد* * * لدى ملك إلا حباني حبها رفقا
و أفسدت دنياي و ديني سفاهة* * * فمن ذا الّذي مثلي بمصرعه أشقا
فيا ليت شعرى بعد موتى هل أصر* * * إلى رحمة اللَّه أم في ناره ألقى
و كانت وفاته ليلة الاثنين لثمان بقين من ربيع الأول من هذه السنة. و لم يبلغ الخمسين. و كانت خلافته تسع سنين و تسعة أشهر و ثلاثة عشر يوما. و خلف من الأولاد الذكور. عليا المكتفي، و جعفر المقتدر، و هارون. و من البنات إحدى عشرة بنتا. و يقال سبع عشرة بنتا. و ترك في بيت المال سبعة عشر ألف ألف دينار. و كان يمسك عن صرف الأموال في غير وجهها، فلهذا كان بعض الناس يبخله، و من الناس من يجعله من الخلفاء الراشدين المذكورين في الحديث، حديث جابر بن سمرة فاللَّه أعلم.
خلافة المكتفي باللَّه أبى محمد
على بن المعتضد باللَّه أمير المؤمنين، بويع له بالخلافة عند موت أبيه في ربيع الأول من هذه السنة، و ليس في الخلفاء من اسمه على سوى هذا و على بن أبى طالب. و ليس فيهم من يكنى بأبي محمد إلا هو و الحسن بن على بن أبى طالب و الهادي، و المستضيء باللَّه. و حين ولى المكتفي كثرت الفتن و انتشرت في البلاد. و في رجب منها زلزلت الأرض زلزلة عظيمة جدا، و في رمضان منها تساقط وقت السحر من السماء نجوم كثيرة و لم يزل الأمر كذلك حتى طلعت الشمس. و لما أفضت الخلافة إليه كان بالرقة، فكتب إليه الوزير و أعيان الأمراء فركب فدخل بغداد في يوم مشهود، و ذلك يوم