البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١١٤ - الجنيد بن محمد بن الجنيد
و لازم التعبد، ففتح اللَّه عليه بسبب ذلك علوما كثيرة، و تكلم على طريقة الصوفية. و كان ورده في كل يوم ثلاثمائة ركعة، و ثلاثين ألف تسبيحة. و مكث أربعين سنة لا يأوى إلى فراش، ففتح عليه من العلم النافع و العمل الصالح بأمور لم تحصل لغيره في زمانه، و كان يعرف سائر فنون العلم، و إذا أخذ فيها لم يكن له فيها وقفة و لا كبوة، حتى كان يقول في المسألة الواحدة وجوها كثيرة لم تخطر للعلماء ببال، و كذلك في التصوف و غيره. و لما حضرته الوفاة جعل يصلى و يتلو القرآن، فقيل له: لو رفقت بنفسك في مثل هذا الحال؟ فقال: لا أحد أحوج إلى ذلك منى الآن، و هذا أوان طى صحيفتي. قال ابن خلكان: أخذ الفقه عن أبى ثور و يقال: كان يتفقه على مذهب سفيان الثوري، و كان ابن سريح يصحبه و يلازمه، [و ربما استفاد منه أشياء في الفقه لم تخطر له ببال، و يقال: إنه سأله مرة عن مسألة، فأجابه فيها بجوابات كثيرة، فقال: يا أبا القاسم أ لم أكن أعرف فيها سوى ثلاثة أجوبة مما ذكرت، فأعدها على. فأعادها بجوابات أخرى كثيرة. فقال: و اللَّه ما سمعت هذا قبل اليوم، فأعده. فأعاده بجوابات أخرى غير ذلك، فقال له: لم أسمع بمثل هذا فأمله عليّ حتى أكتبه. فقال الجنيد: لئن كنت أجريه فأنا أمليه، أي إن اللَّه هو الّذي يجرى ذلك على قلبي و ينطق به لساني، و ليس هذا مستفاد من كتب و لا من تعلم، و إنما هذا من فضل اللَّه عز و جل يلهمنيه و يجريه على لساني. فقال: فمن أين استفدت هذا العلم؟ قال: من جلوسي بين يدي اللَّه أربعين سنة. و الصحيح أنه كان على مذهب سفيان الثوري و طريقه و اللَّه أعلم [١]].
و سئل الجنيد عن العارف؟ فقال: من نطق عن سرك و أنت ساكت. و قال: مذهبنا هذا مقيد بالكتاب و السنة، فمن لم يقرأ القرآن و يكتب الحديث لا يقتدى به في مذهبنا و طريقتنا.
و رأى بعضهم معه مسبحة فقال له: أنت مع شرفك تتخذ مسبحة؟ فقال: طريق وصلت به إلى اللَّه لا أفارقه. و قال له خاله السري: تكلم على الناس. فلم ير نفسه موضعا. فرأى في المنام رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فقال له: تكلم على الناس. فغدا على خاله، فقال له: لم تسمع منى حتى قال لك رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): فتكلم على الناس، فجاءه يوما شاب نصراني في صورة مسلم، فقال له: يا أبا القاسم ما معنى
قول النبي (صلى اللَّه عليه و سلم): «اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور اللَّه»
؟ فأطرق الجنيد، ثم رفع رأسه إليه و قال: أسلم فقد آن لك أن تسلم: قال فأسلم الغلام. و قال الجنيد: ما انتفعت بشيء انتفاعى بأبيات سمعتها من جارية تغني بها في غرفة و هي تقول:
إذا قلت: أهدى الهجرلى حلل البلى* * * تقولين: لو لا الهجر لم يطب الحب
و إن قلت: هذا القلب أحرقه الجوى* * * تقولين لي: إن الجوى شرف القلب
[١] زيادة من نسخة الأستانة.