البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٧٩ - وفاة المهدي صاحب إفريقية
عظم أمر على بن بويه، و ارتفع قدره بين الناس، و سيأتي ما آل إليه حاله. و لما خلع القاهر، و ولى الراضي، طمع هارون بن عريب في الخلافة، لكونه ابن خال المقتدر، و كان نائبا على ماه و الكوفة و الدينور و ماسبذان، فدعا إلى نفسه و اتبعه خلق كثير من الجند و الأمراء، و جبى الأموال و استفحل أمره، و قويت شوكته، و قصد بغداد فخرج إليه محمد بن ياقوت رأس الحجبة بجميع جند بغداد، فاقتتلوا فخرج في بعض الأيام هارون بن عريب يتقصد لعله يعمل حيلة في أسر محمد بن ياقوت فتقنطر به فرسه فألقاه في نهر، فضربه غلامه حتى قتله و أخذ رأسه حتى جاء به إلى محمد بن ياقوت، و انهزم أصحابه و رجع ابن ياقوت فدخل بغداد و رأس هارون بن عريب يحمل على رمح ففرح الناس بذلك، و كان يوما مشهودا.
و فيها ظهر ببغداد رجل يعرف بأبي جعفر محمد بن على الشلمغاني، و يقال له ابن العرافة، فذكروا عنه أنه يدعى ما كان يدعيه الحلاج من الآلهية، و كانوا قد قبضوا عليه في دولة المقتدر عند حامد بن العباس، و اتهم بأنه يقول بالتناسخ فأنكر ذلك. و لما كانت هذه المرة أحضره الراضي و ادعى عليه بما كان ذكر عنه فأنكر ثم أقر بأشياء، فأفتى قوم أن دمه حلال إلا أن يتوب من هذه المقالة، فأبى أن يتوب، فضرب ثمانين سوطا، ثم ضربت عنقه و ألحق بالحلاج، و قتل معه صاحبه ابن أبى عون لعنه اللَّه. و كان هذا اللعين من جملة من اتبعه و صدقه فيما يزعمه من الكفر. و قد بسط ابن الأثير في كامله مذهب هؤلاء الكفرة بسطا جيدا، و شبه مذهبهم بمذهب النصيرية. و ادعى رجل آخر ببلاد الشاش النبوة و أظهر المخاريق و أشياء كثيرة من الحيل، فجاءته الجيوش فقاتلوه، و انطفأ أمره.
وفاة المهدي صاحب إفريقية
و فيها كان موت المهدي صاحب إفريقية أول خلفاء الفاطميين الأدعياء الكذبة، و هو أبو محمد عبيد اللَّه المدعى أنه علوي، و تلقب بالمهديّ، و بنى المهدية و مات بها عن ثلاث و ستين سنة، و كانت ولايته- منذ دخل رفادة و ادعى الإمامة- أربعا و عشرين سنة و شهرا و عشرين يوما. و قد كان شهما شجاعا، ظفر بجماعة ممن خالفه و ناوأه و قاتله و عاداه فلما مات قام بأمر الخلافة من بعده ولده أبو القاسم الملقب بالخليفة القائم بأمر اللَّه. و حين توفى أبوه كتم موته سنة حتى دبر ما أراده من الأمور، ثم أظهر ذلك و عزاه الناس فيه. و قد كان كأبيه شهما شجاعا: فتح البلاد و أرسل السرايا إلى بلاد الروم، و رام أخذ الديار المصرية فلم يتفق له ذلك، و إنما أخذ الديار المصرية ابن ابنه المعز الفاطمي باني القاهرة المعزية كما سنذكره إن شاء اللَّه.
قال ابن خلكان في الوفيات: و قد اختلف في نسب المهدي هذا اختلافا كثيرا جدا، فقال صاحب تاريخ القيروان: و هو عبيد اللَّه بن الحسن بن محمد بن على بن موسى بن جعفر بن محمد بن على