البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٤٧ - ثم دخلت سنة إحدى عشرة و ثلاثمائة
و بالرفض. و لما توفى اجتمع الناس من سائر أقطار بغداد و صلوا عليه بداره و دفن بها، و مكث الناس يترددون إلى قبره شهورا يصلون عليه، و قد رأيت له كتابا جمع فيه أحاديث غدير خم في مجلدين ضخمين، و كتابا جمع فيه طريق حديث الطير. و نسب إليه أنه كان يقول بجواز مسح القدمين في الوضوء و أنه لا يوجب غسلهما، و قد اشتهر عنه هذا. فمن العلماء من يزعم أن ابن جرير اثنان أحدهما شيعي و إليه ينسب ذلك، و ينزهون أبا جعفر هذا عن هذه الصفات. و الّذي عول عليه كلامه في التفسير أنه يوجب غسل القدمين و يوجب مع الغسل دلكهما، و لكنه عبر عن الدلك بالمسح، فلم يفهم كثير من الناس مراده، و من فهم مراده نقلوا عنه أنه يوجب الغسل و المسح و هو الدلك و اللَّه أعلم. و قد رثاه جماعة من أهل العلم منهم ابن الأعرابي حيث يقول:
حدث مفظع و خطب جليل* * * دق عن مثله اصطبار الصبور
قام ناعي العلوم اجمع لما* * * قام ناعيمحمد بن جرير
فهوت أنجم لها زاهرات* * * مؤذنات رسومها بالدثور
و تغشى ضياها النير الإشراق* * * ثوب الدّجنّة الديجور
و غدا روضها الأنيق هشيما* * * ثم عادت سهولها كالوعور
يا أبا جعفر مضيت حميدا* * * غير و ان في الجد و التشمير
بين أجر على اجتهادك موفور* * * و سعي إلى التقى مشكور
مستحقا به الخلود لدى جنة* * * عدن في غبطة و سرور
و لأبى بكر بن دريد (رحمه اللَّه) فيه مرثاة طويلة، و قد أوردها الخطيب البغدادي بتمامها و اللَّه سبحانه أعلم
ثم دخلت سنة إحدى عشرة و ثلاثمائة
فيها دخل أبو طاهر سليمان بن أبى سعيد الجنابي أمير القرامطة في ألف و سبعمائة فارس إلى البصرة ليلا، نصب السلالم الشعر في سورها فدخلها قهرا و فتحوا أبوابها و قتلوا من لقوة من أهلها، و هرب أكثر الناس فألقوا أنفسهم في الماء فغرق كثير منهم، و مكث بها سبعة عشر يوما يقتل و يأسر من نسائها و ذراريها، و يأخذ ما يختار من أموالها. ثم عاد إلى بلده هجر، كلما بعث إليه الخليفة جندا من قبله فرّ هاربا و ترك البلد خاويا، إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. و فيها عزل المقتدر عن الوزارة حامد بن العباس و على بن عيسى و ردها إلى أبى الحسن بن الفرات مرة ثالثة، و سلم إليه حامدا و على بن عيسى، فأما حامد فان المحسن بن الوزير ضمنه من المقتدر بخمسمائة ألف ألف دينار، فتسلمه فعاقبه بأنواع العقوبات، و أخذ منه أموالا جزيلة لا تحصى و لا تعد كثرة، ثم أرسله مع موكلين عليه إلى واسط ليحتاطوا على أمواله و حواصله هناك، و أمرهم أن يسقوه سما في الطريق فسقوه ذلك في بيض مشوى