البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٠ - ثم دخلت سنة ثمان و خمسين و مائتين
مر بنا أعرابى ينشد ابنه فقلنا له صفة لنا. فقال: كأنه دنينير. فقلنا: لم نره، فلم نلبث أن جاء يحمله على عنقه أسيود كأنه سفل قدر. فقلت: لو سألتنا عن هذا لأرشدناك، إنه منذ اليوم يلعب هاهنا مع الغلمان. ثم أنشد الأصمعي:
نعم ضجيع الفتى إذا برد* * * الليل سحرا و قرقف العرد
زينها اللَّه في الفؤاد كما* * * زين في عين والد ولد
ثم دخلت سنة ثمان و خمسين و مائتين
في يوم الاثنين لعشر بقين من ربيع الأول عقد الخليفة لأخيه أبى أحمد على ديار مصر و قنسرين و العواصم، و جلس يوم الخميس في مستهل ربيع الآخر فخلع على أخيه و على مفلح و ركبا نحو البصرة في جيش كثيف في عدد و عدد، فاقتتلوا هم و الزنج قتالا شديدا فقتل مفلح للنصف من جمادى الأولى، أصابه سهم بلا نصل في صدره فأصبح ميتا، و حملت جثته إلى سامرا فدفن بها. و فيها أسر يحيى بن محمد البحراني أحد أمراء صاحب الزنج الكبار، و حمل إلى سامرا فضرب بين يدي المعتمد مائتي سوط ثم قطعت يداه و رجلاه من خلاف، ثم أخذ بالسيوف ثم ذبح ثم أحرق، و كان الذين أسروه جيش أبى أحمد في وقعة هائلة مع الزنج قبحهم اللَّه. و لما بلغ خبره صاحب الزنج أسف على ذلك ثم قال: لقد خوطبت فيه فقيل لي: قتله كان خيرا لك. لأنه كان شرها يخفى من المغانم خيارها و قد كان صاحب الزنج يقول لأصحابه: لقد عرضت على النبوة فخفت أن لا أقوم بأعبائها فلم أقبلها.
و في ربيع الآخر منها وصل سعيد بن أحمد الباهلي إلى باب الخليفة فضرب سبعمائة سوط حتى مات ثم صلب. و فيها قتل قاض و أربعة و عشرون رجلا من أصحاب صاحب الزنج عند باب العامة بسامراء. و فيها رجع محمد بن واصل إلى طاعة السلطان و حمل خراج فارس و تمهدت الأمور هناك.
و فيها في أواخر رجب كان بين أبى أحمد و بين الزنج وقعة هائلة فقتل منها خلق من الفريقين. ثم استوخم أبو أحمد منزله فانتقل إلى واسط فنزلها في أوائل شعبان، فلما نزلها وقعت هناك زلزلة شديدة و هدة عظيمة، تهدمت فيها بيوت و دور كثيرة، و مات من الناس نحو من عشرين ألفا. و فيها وقع في الناس وباء شديد و موت عريض ببغداد و سامرا و واسط و غيرها من البلاد، و حصل للناس ببغداد داء يقال له القفاع. و في يوم الخميس لسبع خلون من رمضان، أخذ رجل من باب العامة بسامراء ذكر عنه أنه يسب السلف فضرب ألف سوط حتى مات. و في يوم الجمعة ثامنه توفى الأمير يارجوخ فصلى عليه أخو الخليفة أبو عيسى و حضره جعفر بن المعتمد على اللَّه. و فيها كانت وقعة هائلة بين موسى بن بغا و بين أصحاب الحسين بن زيد ببلاد خراسان فهزمهم موسى هزيمة فظيعة. و فيها كانت وقعة بين مسرور البلخي و بين مساور الخارجي فكسره مسرور و أسر من أصحابه جماعة