البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٣٩ - ذكر صفة مقتل الحلاج
فقهاء بغداد فأنكروا ذلك و كفروا من أعتقده، فكتبه. فقال الوزير: إن أبا العباس بن عطاء يقول بهذا. فقالوا: من قال بهذا فهو كافر. ثم طلب الوزير ابن عطاء إلى منزله فجاء فجلس في صدر المجلس فسأله عن قول الحلاج فقال: من لا يقول بهذا القول فهو بلا اعتقاد. فقال الوزير لابن عطاء: ويحك تصوب مثل هذا القول و هذا الاعتقاد؟ فقال ابن عطاء: مالك و لهذا، عليك بما نصبت له من أخذ اموال الناس و ظلمهم و قتلهم فما لك و لكلام هؤلاء السادة من الأولياء. فأمر الوزير عند ذلك بضرب شدقيه و نزع خفيه و أن يضرب بهما على رأسه، فما زال يفعل به ذلك حتى سال الدم من منخريه، و أمر بسجنه. فقالوا له: إن العامة تستوحش من هذا و لا يعجبها. فحمل إلى منزله، فقال ابن عطاء:
اللَّهمّ اقتله و اقطع يديه و رجليه. ثم مات ابن عطاء بعد سبعة أيام، ثم بعد مدة قتل الوزير شر قتلة، و قطعت يداه و رجلاه و أحرقت داره. [و كان العوام يرون ذلك بدعوة ابن عطاء على عادتهم في مرائيهم فيمن أوذى ممن لهم معه هوى. بل قد قال ذلك جماعة ممن ينسب إلى العلم فيمن يؤذى ابن عربي أو يحط على حسين الحلاج أو غيره. هذا بخطيئة فلان] [١] و قد اتفق علماء بغداد على كفر الحلاج و زندقته، و أجمعوا على قتله و صلبه، و كان علماء بغداد إذ ذاك هم الدنيا.
قال أبو بكر محمد بن داود الظاهري حين أحضر الحلاج في المرة الأولى قبل وفاة أبى بكر هذا و سئل عنه فقال: إن كان ما أنزل اللَّه على نبيه (صلى اللَّه عليه و سلم) حقا و ما جاء به حقا فما يقوله الحلاج باطل. و كان شديدا عليه. و قال أبو بكر الصولي: قد رأيت الحلاج و خاطبته فرأيته جاهلا يتعاقل، و غبيا يتبالغ، و خبيثا مدعيا، و راغبا يتزهد، و فاجرا يتعبد. و لما صلب في أول مرة و نودي عليه أربعة أيام سمعه بعضهم و قد جيء به ليصلب و هو راكب على بقرة يقول: ما أنا بالحلاج، و لكن ألقى على شبهه و غاب عنكم فلما أدنى إلى الخشبة ليصلب عليها سمعته و هو مصلوب يقول: يا معين الفنا على أعنى على الفنا. و قال بعضهم سمعته و هو مصلوب يقول: إلهي أصبحت في دار الرغائب، انظر إلى العجائب، إلهي إنك تتودد إلى من يؤذيك فكيف بمن يؤذى فيك.
ذكر صفة مقتل الحلاج
قال الخطيب البغدادي و غيره: كان الحلاج قد قدم آخر قدمة إلى بغداد فصحب الصوفية و انتسب إليهم، و كان الوزير إذ ذاك حامد بن العباس، فبلغه أن الحلاج قد أضل خلقا من الحشم و الحجاب في دار السلطان، و من غلمان نصر القشوري الحاجب، و جعل لهم في جملة ما ادعاه أنه يحيى الموتى، و أن الجن يخدمونه و يحضرون له ما شاء و يختار و يشتهيه. و قال: إنه أحيا عدة من الطير.
و ذكر لعلى بن عيسى أن رجلا يقال له محمد بن على القنائي الكاتب يعبد الحلاج و يدعو الناس إلى
[١] سقط من المصرية.