البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٦٠ - ثم دخلت سنة خمس و خمسين و ثلاثمائة
الكثير من المشايخ، روى عنه الدار قطنى و غيره، و كان من أعرف الناس بالقراءات، و له كتاب في النحو على طريقة الكوفيين، سماه كتاب الأنوار. قال ابن الجوزي: ما رأيت مثله، و له تصانيف غيره، و لكن تكلم الناس فيه بسبب تفرده بقراءات لا تجوز عند الجميع، و كان يذهب إلى أن كل ما لا يخالف الرسم و يسوغ من حيث المعنى تجوز القراءة به كقوله تعالى (فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا) أي يتناجون. قال لو قرئ نجيبا من النجابة لكان قويا. و قد ادعى عليه و كتب عليه مكتوب أنه قد رجع عن مثل ذلك، و مع هذا لم ينته عما كان يذهب إليه حتى مات. قاله ابن الجوزي.
محمد بن عبد اللَّه بن إبراهيم بن عبد ربه
ابن موسى أبو بكر الشافعيّ، و له بجبلان سنة ستين و مائتين، و سمع الكثير، و سكن بغداد، و كان ثقة ثبتا كثير الرواية، سمع منه الدار قطنى و غيره من الحفاظ، و كان يحدث بفضائل الصحابة حين منعت الديالم من ذلك جهرا بالجامع بمدينة المنصور مخالفة لهم، و كذلك بمسجده بباب الشام.
توفى في هذه السنة عن أربع و تسعين سنة (رحمه اللَّه تعالى).
ثم دخلت سنة خمس و خمسين و ثلاثمائة
في عاشر المحرم عملت الروافض بدعتهم الشنعاء و ضلالتهم الصلعاء على عادتهم ببغداد. و فيها أجلى القرامطة الهجريين من عمان. و فيها قصدت الروم آمد فحاصروها فلم يقدروا عليها، و لكن قتلوا من أهلها ثلاثمائة و أسروا منهم أربعمائة، ثم ساروا إلى نصيبين، و فيها سيف الدولة فهم بالهرب مع العرب، ثم تأخر مجيء الروم فثبت مكانه و قد كادت تزلزل أركانه. و فيها وردت طائفة من جيش خراسان- و كانوا بضعة عشر ألفا- يظهرون أنهم يريدون غزو الروم، فأكرمهم ركن الدولة بن بويه و أمنوا إليهم فنهضوا إليهم و أخذوا الديلم على غرة فقاتلهم ركن الدولة فظفر بهم لأن البغي له مصرع و خيم و هرب أكثرهم. و فيها خرج معز الدولة من بغداد إلى واسط لقتال عمران بن شاهين حين تفاقم الحال بشأنه، و اشتهر أمره في تلك النواحي، فقوى المرض بمعز الدولة فاستناب على الحرب و رجع إلى بغداد فكانت وفاته في السنة الآتية كما سنذكره- إلى حيث ألقت. و فيها قوى أمر أبى عبد اللَّه ابن الداعي ببلاد الديلم و أظهر النسك و العبادة، و لبس الصوف و كتب إلى الآفاق حتى إلى بغداد يدعو إلى الجهاد في سبيل اللَّه لمن سب أصحاب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم). و في جمادى الآخرة نودي برفع المواريث الحشرية و أن ترد إلى ذوى الأرحام. و فيها وقع الفداء بين سيف الدولة و بين الروم فاستنقذ منهم أسارى كثيرة، منهم ابن عمه أبو فراس بن سعيد بن حمدان، و أبو الهيثم بن حصن القاضي، و ذلك في رجب منها. و فيها ابتدأ معز الدولة بن بويه في بناء مارستان و أرصد له أوقافا جزيلة. و فيها قطعت بنو سليم السابلة على الحجيج من أهل الشام و مصر و المغرب، و أخذوا منهم