البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٥٩ - ثم دخلت سنة سبع عشرة و ثلاثمائة
حجتك و خذ الحلواء فأطعمها صبيانك. و لما توفى خرج أهل مصر في جنازته تعظيما له و إكراما لشأنه.
و فيها توفى محمد بن عقيل البلخي. و أبو بكر بن أبى داود السجستاني الحافظ بن الحافظ. و أبو عوانة يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الأسفراييني، صاحب الصحيح المستخرج على مسلم، و قد كان من الحفاظ المكثرين، و الأئمة المشهورين. و نصر الحاجب، كان من خيار الأمراء، دينار عاقلا، أنفق من ماله في حرب القرامطة مائة ألف دينار. و خرج بنفسه محتسبا فمات في أثناء الطريق في هذه السنة. و كان حاجبا للخليفة المقتدر.
ثم دخلت سنة سبع عشرة و ثلاثمائة
فيها كان خلع المقتدر و تولية القاهر محمد بن المعتضد باللَّه: في المحرم منها اشتدت الوحشة بين مؤنس الخادم و المقتدر باللَّه، و تفاهم الحال و آل إلى أن اجتمعوا على خلع المقتدر و تولية القاهر محمد ابن المعتضد، فبايعوه بالخلافة و سلموا عليه بها، و لقبوه القاهر باللَّه. و ذلك ليلة السبت النصف من المحرم، و قلد على بن مقلة وزارته، و نهبت دار المقتدر، و أخذوا منها شيئا كثيرا جدا، و أخذوا لأم المقتدر خمسمائة ألف دينار- و كانت قد دفنتها في قبر في تربتها- فحملت إلى بيت المال، و أخرج المقتدر و أمه و خالته و خواصه و جواريه من دار الخلافة، ذلك بعد محاصرة دار الخلافة، و هرب من كان بها من الحجبة و الخدم، و ولى نازوك الحجوبة مضافا إلى ما بيده من الشرطة، و ألزم المقتدر بأن كتب على نفسه كتابا بالخلع من الخلافة و أشهد على نفسه بذلك جماعة من الأمراء و الأعيان، و سلم الكتاب إلى القاضي أبى عمر محمد بن يوسف، فقال لولده الحسين: احتفظ بهذا الكتاب فلا يرينه أحد من خلق اللَّه. و لما أعيد المقتدر إلى الخلافة بعد يومين رده إليه، فشكره على ذلك جدا و ولاه قضاء القضاة. فلما كان يوم الأحد السادس عشر من المحرم جلس القاهر باللَّه في منصب الخلافة، و جلس بين يديه الوزير أبو على بن مقلة، و كتب إلى العمال بالآفاق يخبرهم بولاية القاهر بالخلافة عوضا عن المقتدر، و أطلق على بن عيسى من السجن، و زاد في أقطاع جماعة من الأمراء الذين قاموا بنصره، منهم أبو الهيجاء بن حمدان. فلما كان يوم الاثنين جاء الجند و طلبوا أرزاقهم و شغبوا، و بادروا إلى نازوك فقتلوه، و كان مخمورا، ثم صلبوه. و هرب الوزير ابن مقلة، و هرب الحجاب و نادوا يا مقتدر يا منصور، و لم يكن مؤنس يومئذ حاضرا، و جاء الجند إلى باب مؤنس يطالبونه بالمقتدر، فأغلق بابه دونهم و جاحف دونه خدمه. فلما رأى مؤنس أنه لا بد من تسليم المقتدر إليهم أمره بالخروج، فخاف المقتدر أن يكون حيلة عليه، ثم تجاسر فخرج فحمله الرجال على أعناقهم حتى أدخلوه دار الخلافة، فسأل عن أخيه القاهر و أبى الهيجاء بن حمدان ليكتب لهما أمانا، فما كان عن قريب حتى جاءه خادم و معه رأس أبى الهيجاء قد احترز رأسه و أخرجه من بين كتفيه، ثم