البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٧٣ - ثم دخلت سنة ثنتين و ستين و ثلاثمائة
ثم دخلت سنة ثنتين و ستين و ثلاثمائة
في عاشر محرمها عملت الروافض من النياحة و تعليق المسوح و غلق الأسواق ما تقدم قبلها. و فيها اجتمع الفقيه أبو بكر الرازيّ الحنفي و أبو الحسن على بن عيسى الرماني و ابن الدقاق الحنبلي بعز الدولة بختيار بن بويه و حرضوه على غزو الروم فبعث جيشا لقتالهم فأظفره اللَّه بهم، و قتلوا منهم خلقا كثيرا و بعثوا برءوسهم إلى بغداد فسكنت أنفس الناس. و فيها سارت الروم مع ملكهم لحصار آمد و عليها هزرمرد غلام أبى الهيجاء بن حمدان، فكتب إلى أبى تغلب يستنصره فبعث إليه أخاه أبا القاسم هبة اللَّه ناصر الدولة بن حمدان، فاجتمعا لقتاله فلقياه في آخر يوم من رمضان في مكان ضيق لا مجال للخيل فيه، فاقتتلوا مع الروم قتالا شديدا فعزمت الروم على الفرار فلم يقدروا فاستحر فيهم القتل و أخذ الدمستق أسيرا فأودع السجن فلم يزل فيه حتى مرض و مات في السنة القابلة، و قد جمع أبو تغلب الأطباء له فلم ينفعه شيء. و فيها أحرق الكرخ ببغداد و كان سببه أن صاحب المعونة ضرب رجلا من العامة فمات فثارت عليه العامة و جماعة من الأتراك، فهرب منهم فدخل دارا فأخرجوه مسجونا و قتلوه و حرقوه، فركب الوزير أبو الفضل الشيرازي- و كان شديد التعصب للسنة- و بعث حاجبه إلى أهل الكرخ فألقى في دورهم النار فاحترقت طائفة كثيرة من الدور و الأموال من ذلك ثلاثمائة دكان و ثلاثة و ثلاثون مسجدا، و سبعة عشر ألف إنسان. فعند ذلك عزله بختيار عن الوزارة و ولاها محمد بن بقية، فتعجب الناس من ذلك، و ذلك أن هذا الرجل كان وضيعا عند الناس لا حرمة له، كان أبوه فلاحا بقرية كوثا، و كان هو ممن يخدم عز الدولة، كان يقدم له الطعام و يحمل منديل الزفر على كتفه، إلى أن ولى الوزارة، و مع هذا كان أشد ظلما للرعية من الّذي قبله، و كثر في زمانه العيّارون ببغداد، و فسدت الأمور. و فيها وقع الخلاف بين عز الدولة و بين حاجبه سبكتكين ثم اصطلحا على دخن. و فيها كان دخول المعز الفاطمي الديار المصرية و صحبته توابيت آبائه، فوصل إلى اسكندرية في شعبان، و قد تلقاه أعيان مصر إليها، فخطب الناس هنالك خطبة بليغة ارتجالا، ذكر فيها فضلهم و شرفهم، و قد كذب فقال فيها: إن اللَّه أغاث الرعايا بهم و بدولتهم. و حكى قاضى بلاد مصر و كان جالسا إلى جنبه فسأله: هل رأيت خليفة أفضل منى؟ فقال له لم أر أحدا من الخلفاء سوى أمير المؤمنين. فقال له: أحججت؟ قال نعم. قال: و زرت قبر الرسول؟ قال: نعم. قال:
و قبر أبى بكر و عمر؟ قال فتحيرت ما أقول فإذا ابنه العزيز مع كبار الأمراء فقلت: شغلني عنهما رسول اللَّه كما شغلني أمير المؤمنين عن السلام على ولى العهد من بعده، و نهضت إليه و سلمت عليه و رجعت فانفسح المجلس إلى غيره. ثم سار من الاسكندرية إلى مصر فدخلها في الخامس من رمضان من هذه السنة فنزل القصرين، فقيل إنه أول ما دخل إلى محل ملكه خر ساجدا شكرا للَّه