البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٢٥ - المنصور الفاطمي
و انتهت إليه رئاسة أصحابه في البلاد، و كان متعبدا كثير الصلاة و الصوم، صبورا على الفقر، عزوفا عما في أيدي الناس، و كان مع ذلك رأسا في الاعتزال، و قد سمع الحديث من إسماعيل بن إسحاق القاضي، و روى عنه حيوة و ابن شاهين. و أصابه الفالج في آخر عمره، فاجتمع عنده بعض أصحابه و اشتوروا فيما بينهم أن يكتبوا إلى سيف الدولة بن حمدان ليساعده بشيء يستعين به في مرضه، فلما علم بذلك رفع رأسه إلى السماء و قال: اللَّهمّ لا تجعل رزقي إلا من حيث عودتني. فمات عقب ذلك قبل أن يصل إليه ما أرسل به سيف الدولة، و هو عشرة آلاف درهم. فتصدقوا بها بعد وفاته في شعبان من هذه السنة عن ثمانين سنة، و صلى عليه أبو تمام الحسن بن محمد الزينبي، و كان صاحبه، و دفن في درب أبى زيد على نهو الواسطيين.
محمد بن صالح بن يزيد
أبو جعفر الوراق سمع الكثير، و كان يفهم و يحفظ، و كان ثقة زاهدا لا يأكل إلا من كسب يده و لا يقطع صلاة الليل. و قال بعضهم: صحبته سنين كثيرة فما رأيته فعل إلا ما يرضى اللَّه عز و جل.
و لا قال إلا ما يسأل عنه، و كان يقوم أكثر الليل.
و فيها كانت وفاة منصور بن قرابكين صاحب الجيوش الخراسانية من جهة الأمير نوح الساماني من مرض حصل له، و قيل لأنه أدمن شرب الخمر أياما متتابعة فهلك بسبب ذلك، فأقيم بعده في الجيوش أبو على المحتاج الزجاجي، مصنف الجمل.
و هو أبو القاسم عبد الرحمن بن إسحاق النحويّ اللغوي البغدادي الأصل. ثم الدمشقيّ، مصنف الجمل في النحو، و هو كتاب نافع، كثير الفائدة، صنفه بمكة، و كان يطوف بعد كل باب منه و يدعو اللَّه تعالى أن ينفع به. أخذ النحو أولا عن محمد بن العباس اليزيدي، و أبى بكر بن دريد، و ابن الأنباري. توفى في رجب سنة سبع، و قيل سنة تسع و ثلاثين، و قيل سنة أربعين. توفى في دمشق و قيل بطبرية. و قد شرح كتابه الجمل بشروح كثيرة من أحسنها و أجمعها ما وضعه ابن عصفور و اللَّه أعلم.
ثم دخلت سنة إحدى و أربعين و ثلاثمائة
فيها ملكت الروم سروج و قتلوا أهلها و حرقوا مساجدها. قال ابن الأثير: و فيها قصد موسى بن وجيه صاحب عمان البصرة فمنعه منها المهلبي كما تقدم. و فيها نقم معز الدولة على وزيره فضربه مائة و خمسين سوطا و لم يعزله بل رسم عليه. و فيها اختصم المصريون و العراقيون بمكة فخطبوا لصاحب مصر، ثم غلبهم العراقيون فخطبوا لركن الدولة بن بويه.
و فيها كانت وفاة
المنصور الفاطمي
و هو أبو طاهر بن إسماعيل بن القائم بأمر اللَّه أبى القاسم محمد بن عبيد اللَّه المهدي صاحب المغرب