البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣١٧ - الحافظ الدار قطنى
منها التفسير في ألف جزء، و المسند في ألف و خمسمائة جزء، و التاريخ في مائة و خمسين جزءا، و الزهد في مائة جزء توفى في ذي الحجة منها و قد قارب التسعين (رحمه اللَّه).
الحافظ الدار قطنى
على بن عمر بن أحمد بن مهدي بن مسعود بن دينار بن عبد اللَّه الحافظ الكبير، أستاذ هذه الصناعة، و قبله بمدة و بعده إلى زماننا هذا، سمع الكثير، و جمع و صنف و ألف و أجاد و أفاد، و أحسن النظر و التعليل و الانتقاد و الاعتقاد، و كان فريد عصره، و نسيج وحده، و إمام دهره في أسماء الرجال و صناعة التعليل، و الجرح و التعديل، و حسن التصنيف و التأليف، و اتساع الرواية، و الاطلاع التام في الدراية، له كتابه المشهور من أحسن المصنفات في بابه، لم يسبق إلى مثله و لا يلحق في شكله إلا من استمد من بحرة و عمل كعمله، و له كتاب العلل بين فيه الصواب من الدخل، و المتصل من المرسل و المنقطع و المعضل، و كتاب الافراد الّذي لا يفهمه، فضلا عن أن ينظمه، إلا من هو من الحفاظ الأفراد، و الأئمة النقاد، و الجهابذة الجياد، و له غير ذلك من المصنفات التي هي كالعقود في الأجياد، و كان من صغره موصوفا بالحفظ الباهر، و الفهم الثاقب، و البحر الزاخر، جلس مرة في مجلس إسماعيل الصفار و هو يملى على الناس الأحاديث، و الدار قطنى ينسخ في جزء حديث، فقال له بعض المحدثين في أثناء المجلس: إن سماعك لا يصح و أنت تنسخ، فقال الدار قطنى: فهمي للاملاء أحسن من فهمك و أحضر، ثم قال له ذلك الرجل: أ نحفظ كم أملى حديثا؟ فقال: إنه أملى ثمانية عشر حديثا إلى الآن، و الحديث الأول منها عن فلان عن فلان، ثم ساقها كلها بأسانيدها و ألفاظها لم يخرم منها شيئا، فتعجب الناس منه. و قال الحاكم أبو عبد اللَّه النيسابوري: لم ير الدار قطنى مثل نفسه. و قال ابن الجوزي: و قد اجتمع له مع معرفة الحديث و العلم بالقراءات و النحو و الفقه و الشعر مع الإمامة و العدالة، و صحة العقيدة، و قد كانت وفاته في يوم الثلاثاء السابع من ذي القعدة منها، و له من العمر سبع و سبعون سنة و يومان، و دفن من الغد بمقبرة معروف الكرخي (رحمه اللَّه).
قال ابن خلكان: و قد رحل إلى الديار المصرية فأكرمه الوزير أبو الفضل جعفر بن خنزابة وزير كافور الإخشيدي، و ساعده هو الحافظ عبد الغنى على إكمال مسندة، و حصل قطنى منه مال جزيل. قال: و الدار قطنى نسبة إلى دار القطن و هي محلة كبيرة ببغداد، و قال عبد الغنى بن سعيد الضرير: لم يتكلم على الأحاديث مثل على بن المديني في زمانه، و موسى بن هارون في زمانه، و الدار قطنى في زمانه. و سئل الدار قطنى: هل رأى مثل نفسه؟ قال: أما في فن واحد فربما رأيت من هو أفضل منى، و أما فيما اجتمع لي من الفنون فلا. و قد روى الخطيب البغدادي عن الأمير أبى نصر هبة اللَّه بن ماكولا قال: رأيت في المنام كأنى أسأل عن حال أبى الحسن الدار قطنى و ما آل أمره إليه في