البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣١٥ - الصاحب بن عباد
بخمسة آلاف دينار لتصرف على أهل العلم، و له اليد الطولى في الأدب، و له مصنفات في فنون العلم و اقتنى كتبا كثيرة، و كانت تحمل على أربعمائة بعير، و لم يكن في وزراء بنى بويه مثله و لا قريب منه في مجموع فضائله، و قد كانت دولة بنى بويه مائة و عشرين سنة و أشهرا، و فتح خمسين قلعة لمخدومه مؤيد الدولة، و ابنه فخر الدولة، بصرامته و حسن تدبيره و جودة رأيه، و كان يحب العلوم الشرعية، و يبغض الفلسفة و ما شابهها من علم الكلام و الآراء البدعية، و قد مرض مرة بالاسهال فكان كلما قام عن المطهرة وضع عندها عشرة دنانير لئلا يتبرم به الفراشون، فكانوا يتمنون لو طالت علته، و لما عوفي أباح للفقراء نهب داره، و كان فيها ما يساوى نحوا من خمسين ألف دينار من الذهب، و قد سمع الحديث من المشايخ الجياد العوالي الاسناد، و عقد له في وقت مجلس للاملاء فاحتفل الناس لحضوره، و حضره وجوه الأمراء، فلما خرج إليه لبس زي الفقهاء و أشهد على نفسه بالتوبة و الانابة مما يعانيه من أمور السلطان، و ذكر للناس أنه كان يأكل من حين نشأ إلى يومه هذا من أموال أبيه و جده مما ورثه منهم، و لكن كان يخالط السلطان و هو تائب مما يمارسونه، و اتخذ بناء في داره سماه بيت التوبة، و وضع العلماء خطوطهم بصحة توبته، و حين حدث استملى عليه جماعة لكثرة مجلسه، فكان في جملة من يكتب عنه ذلك اليوم القاضي عبد الجبار الهمدانيّ و أضرابه من رءوس الفضلاء و سادات الفقهاء و المحدثين، و قد بعث إليه قاضى قزوين بهدية كتب سنية، و كتب معها.
العميدي عبد كافى الكفاة و أنه* * * اعقل في وجوه القضاة
خدم المجلس الرفيع، بكتب* * * منعمات، من حسنها مترعات
فلما وصلت إليه أخذ منها كتابا واحدا و رد باقيها و كتب تحت البيتين.
قد قبلنا من الجميع كتابا* * * و رددنا لوقتها الباقيات
لست أستغنم الكثير و طبعي* * * قول: خذ ليس مذهبي قول هات
و جلس مرة في مجلس شراب فناوله الساقي كأسا، فلما أراد شربها قال له بعض خدمه: إن هذا الّذي في يدك مسموم. قال: و ما الشاهد على صحة قولك؟ قال تجربه، قال: فيمن؟ قال في الساقي. قال ويحك لا أستحل ذلك، قال ففي دجاجة، قال: إن التمثيل بالحيوان لا يجوز، تم أمر بصب ما في ذلك القدح و قال للساقى: لا تدخل بعد اليوم داري، و لم يقطع عنه معلومه. و قد عمل عليه الوزير أبو الفتح ابن ذي الكفايتين حتى عزله عن وزارة مؤيد الدولة في وقت و باشرها عوضه و استمر فيها مدة، فبينما هو ذات ليلة قد اجتمع عنده أصحابه و هو في أتم السرور، قد هيئ له في مجلس حافل بأنواع اللذات، و قد نظم أبياتا و المغنون يغنونه بها و هو في غاية الطرب و السرور و الفرح، و هي هذه الأبيات
دعوت الهنا و دعوت العلا* * * فلما أجابا دعوت القدح
و قلت لأيام شرخ الشباب* * * إلى. فهذا أوان الفرح