البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٥٨ - و فيها توفى أبو حاتم الرازيّ
و سار في الناس سيرة حسنة، و أظهر صرامة لم ير مثلها. و حج بالناس الأمير المتقدم ذكره قبل ذلك.
و فيها توفى من الأعيان
إبراهيم بن صرا إسحاق بن أبى العينين و أبو إسحاق الكوفي قاضى بغداد بعد ابن سماعة، سمع معلى بن عبيد و غيره، و حدث عنه ابن أبى الدنيا و غيره توفى عن ثلاث و تسعين سنة، و كان ثقة فاضلا دينا صالحا.
و أحمد بن عيسى
أبو سعيد الخراز أحد مشاهير الصوفية بالعبادة و المجاهدة و الورع و المراقبة، و له تصانيف في ذلك و له كرامات و أحوال و صبر على الشدائد، و روى عن إبراهيم بن بشار صاحب إبراهيم بن أدهم و غيره و عنه على بن محمد المصري و جماعة. و من جيد كلامه إذا بكت أعين الخائفين فقد كاتبوا اللَّه بدموعهم.
و قال: العافية تستر البر و الفاجر، فإذا نزل البلاء تبين عنده الرجال. و قال: كل باطن يخالفه ظاهر فهو باطل. و قال: الاشتغال بوقت ماض تضييع وقت حاضر. و قال ذنوب المقربين حسنات الأبرار.
و قال الرضا قبل القضاء تفويض، و الرضا مع القضاء تسليم. و قد روى البيهقي بسنده إليه أنه سئل عن
قول النبي (صلى اللَّه عليه و سلم): «جبلت القلوب على حب من أحسن إليها»
فقال يا عجبا لمن لم ير محسنا غير اللَّه كيف لا يميل إليه بكليته؟ قلت: و هذا الحديث ليس بصحيح، و لكن كلامه عليه من أحسن ما يكون. و قال ابنه سعيد: طلبت من أبى دانق فضة فقال: يا بنى اصبر فلو أحب أبوك أن يركب الملوك إلى بابه ما تأبوا عليه. و روى ابن عساكر عنه قال: أصابنى مرة جوع شديد فهممت أن أسأل اللَّه طعاما فقلت: هذا ينافي التوكل فهممت أن أسأله صبرا فهتف بى هاتف يقول:
و يزعم أنه منا قريب* * * و أنا لا نضيع من أتانا
و يسألنا القرى جهدا و صبرا* * * كانا لا نراه و لا يرانا
قال فقمت و مشيت فراسخ بلا زاد. و قال: المحب يتعلل إلى محبوبه بكل شيء، و لا يتسلى عنه بشيء يتبع آثاره و لا يدع استخباره ثم أنشد:
أسائلكم عنها فهل من مخبر* * * فما لى بنعمى بعد مكة لي علم
فلو كنت أدرى أين خيم أهلها* * * و أي بلاد اللَّه إذ ظعنوا أموا
إذا لسلكنا مسلك الريح خلفها* * * و لو أصبحت نعمى و من دونها النجم
و كانت وفاته في هذه السنة، و قيل في سنة سبع و أربعين، و قيل في سنة ست و ثمانين، و الأول أصح.
و فيها توفى عيسى بن عبد اللَّه بن سنان بن ذكويه بن موسى الطيالسي الحافظ، تلقب رعاب، سمع عفان و أبا نعيم، و عنه أبو بكر الشافعيّ و غيره، و وثقه الدار قطنى. كانت وفاته في شوال منها عن أربع و ثمانين سنة.
و فيها توفى. أبو حاتم الرازيّ