البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٧٠ - ثم دخلت سنة إحدى و ثمانين و مائتين
الحارثي البصري. و لقب سيبويه لجماله و حمرة وجنتيه حتى كانتا كالتفاحتين. و سيبويه في لغة فارس رائحة التفاح. و هو الامام العلامة العلم، شيخ النحاة من لدن زمانه إلى زماننا هذا، و الناس عيال على كتابه المشهور في هذا الفن. و قد شرح بشروح كثيرة و قل من يحيط علما به.
أخذ سيبويه العلم عن الخليل بن أحمد و لازمه، و كان إذا قدم يقول الخليل: مرحبا بزائر لا يمل.
و أخذ أيضا عن عيسى بن عمر، و يونس بن حبيب و أبى زيد الأنصاري، و أبى الخطاب الأخفش الكبير و غيرهم، و قدم من البصرة إلى بغداد أيام كان الكسائي يؤدب الأمين بن الرشيد، فجمع بينهما فتناظرا في شيء من مسائل النحو فانتهى الكلام إلى أن قال الكسائي: تقول العرب: كنت أظن الزنبور أشد لسعا من النحلة فإذا هو إياها. فقال سيبويه: بيني و بين أعرابى لم يشبه شيء من الناس المولد، و كان الأمين يحب نصرة أستاذه فسأل رجلا من الأعراب فنطق بما قال سيبويه.
فكره الأمين ذلك و قال له: إن الكسائي يقول خلافك. فقال. إن لساني لا يطاوعني على ما يقول فقال: أحب أن تحضر و أن تصوب كلام الكسائي، فطاوعه على ذلك و انفصل المجلس عن قول الأعرابي إذا الكسائي أصاب. فحمل سيبويه على نفسه و عرف أنهم تعصبوا عليه و رحل عن بغداد فمات ببلاد شيراز في قرية يقال لها البيضاء، و قيل إنه ولد بهذه و توفى بمدينة سارة في هذه السنة، و قيل سنة سبع و سبعين، و قيل ثمان و ثمانين، و قيل إحدى و تسعين و قيل أربع و تسعين و مائة فاللَّه أعلم، و قد ينف على الأربعين، و قيل بل إنما عمر ثنتين و ثلاثين سنة فاللَّه أعلم. قرأ بعضهم على قبره هذا الأبيات:
ذهب الأحبة بعد طول تزاور* * * و نأى المزار فأسلموك و أقشعوا
تركوك أوحش ما تكون بقفرة* * * لم يؤنسوك و كربة لم يدفعوا
قضى القضاء و صرت صاحب حفرة* * * عنك الأحبة أعرضوا و تصدعوا
] [١]
ثم دخلت سنة إحدى و ثمانين و مائتين
فيها دخل المسلمون بلاد الروم فغنموا و سلموا. و فيها تكامل غور المياه ببلاد الري و طبرستان.
و فيها غلت الأسعار جدا و جهد الناس حتى أكل بعضهم بعضا، فكان الرجل يأكل ابنه و ابنته ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. و فيها حاصر المعتضد قلعة ماردين و كانت بيد حمدان بن حمدون ففتحها قسرا و أخذ ما كان فيها، ثم أمر بتخريبها فهدمت. و فيها وصلت قطر الندى بنت خمارويه سلطان الديار المصرية إلى بغداد في تجمل عظيم و معها من الجهاز شيء كثير حتى قيل إنه كان في الجهاز مائة هاون من ذهب غير الفضة و ما يتبع ذلك من القماش و غير ذلك مما لا يحصى. ثم بعد كل حساب أرسل معها
[١] زيادة من المصرية.