البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٣٨ - ذكر أشياء من حيل الحلاج
الخطيب: أنبأ إبراهيم بن مخلد أبنأنا إسماعيل بن على الخطيب في تاريخه قال: و ظهر أمر رجل يقال له الحلاج الحسين بن منصور، و كان في حبس السلطان بسعاية وقعت به، و ذلك في وزارة على بن عيسى الأولى، و ذكر عنه ضروب من الزندقة و وضع الحيل على تضليل الناس، من جهات تشبه الشعوذة و السحر، و ادعاء النبوة، فكشفه على بن عيسى عند قبضه عليه و أنهى خبره إلى السلطان- يعنى الخليفة المقتدر باللَّه- فلم يقر بما رمى به من ذلك فعاقبه و صلبه حيا أياما متوالية في رحبة الجسر، في كل يوم غدوة، و ينادى عليه بما ذكر عنه، ثم ينزل به ثم يحبس، فأقام في الحبس سنين كثيرة ينقل من حبس إلى حبس، خوفا من إضلاله أهل كل حبس إذا طالت مدته عندهم، إلى أن حبس آخر حبسة في دار السلطان، فاستغوى جماعة من غلمان السلطان و موّه عليهم و استمالهم بضروب من الجيل، حتى صاروا يحمونه و يدفعون عنه و يرفهونه بالمآكل المطيبة، ثم راسل جماعة من الكتاب و غيرهم ببغداد و غيرها، فاستجابوا له و ترقى به الأمر إلى أن ادعى الربوبية، و سعى بجماعة من أصحابه إلى السلطان فقبض عليهم و وجد عند بعضهم كتب تدل على تصديق ما ذكر عنه، و أقر بعضهم بذلك بلسانه، و انتشر خبره و تكلم الناس في قتله، فأمر الخليفة بتسليمه إلى حامد بن العباس، و أمره أن يكشفه بحضرة القضاة و العلماء و يجمع بينه و بين أصحابه، فجرى في ذلك خطوب طوال، ثم استيقن السلطان أمره و وقف على ما ذكر عنه، و ثبت ذلك على يد القضاة و أفتى به العلماء فأمر بقتله و إحراقه بالنار، فأحضر مجلس الشرطة بالجانب الغربي في يوم الثلاثاء لتسع بقين من ذي القعدة سنة تسع و ثلاثمائة، فضرب بالسياط نحوا من ألف سوط، ثم قطعت يداه و رجلاه، ثم ضربت عنقه، و أحرقت جثته بالنار، و نصب رأسه للناس على سور الجسر الجديد و علقت يداه و رجلاه.
و قال أبو عبد الرحمن بن الحسن السلمي: سمعت إبراهيم بن محمد الواعظ يقول قال أبو القاسم الرازيّ قال أبو بكر بن ممشاذ: حضر عندنا بالدينور رجل و معه مخلاة فما كان يفارقها ليلا و لا نهارا، فأنكروا ذلك من حاله ففتشوا مخلاته فوجدوا فيها كتابا للحلاج عنوانه: من الرحمن الرحيم إلى فلان بن فلان.
- يدعوه إلى الضلالة و الايمان به- فبعث بالكتاب إلى بغداد فسئل الحلاج عن ذلك فأقر أنه كتبه فقالوا له: كنت تدعى النبوة فصرت تدعى الألوهية و الربوبية؟ فقال: لا و لكن هذا عين الجمع عندنا. هل الكاتب إلا اللَّه و أنا و اليد آلة؟ فقيل له: معك على ذلك أحد؟ قال: نعم ابن عطاء و أبو محمد الحريري و أبو بكر الشبلي. فسئل الحريري عن ذلك فقال: من يقول بهذا كافر. و سئل الشبلي عن ذلك فقال: من يقول بهذا يمنع. و سئل ابن عطاء عن ذلك فقال: القول ما يقول الحلاج في ذلك. فعوقب حتى كان سبب هلاكه. ثم روى أبو عبد الرحمن السلمي عن محمد بن عبد الرحمن الرازيّ أن الوزير حامد بن العباس لما أحضر الحلاج سأله عن اعتقاده فأقر به فكتبه، فسأل عن ذلك