البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٩٨ - ذكر خلافة المتقى باللَّه أبى إسحاق إبراهيم بن المقتدر
أيها الآمل الّذي* * * تاه في لجة الغرر
أين من كان قبلنا* * * درس العين و الأثر
سيرد المعاد من* * * عمره كله خطر
رب إني ادخرت* * * عندك أرجوك مدخر
رب إني مؤمن بما* * * بين الوحي في السور
و اعترافي بترك نفعي* * * و إيثاري الضرر
رب فاغفر لى الخطيئة* * * ، يا خير من غفر
و قد كانت وفاته بعلة الاستسقاء في ليلة السادس عشر من ربيع الأول منها. و كان قد أرسل إلى بجكم و هو بواسط أن يعهد إلى ولده الأصغر أبى الفضل، فلم يتفق له ذلك، و بايع الناس أخاه المتقى للَّه إبراهيم بن المقتدر، و كان أمر اللَّه قدرا مقدورا.
ذكر خلافة المتقى باللَّه أبى إسحاق إبراهيم بن المقتدر
لما مات أخوه الراضي اجتمع القضاة و الأعيان بدار بجكم و اشتوروا فيمن يولون عليهم، فاتفق رأيهم كلهم على المتقى، فأحضروه في دار الخلافة و أرادوا بيعته فصلى ركعتين صلاة الاستخارة و هو على الأرض، ثم صعد إلى الكرسي بعد الصلاة، ثم صعد إلى السرير و بايعه الناس يوم الأربعاء لعشر بقين من ربيع الأول منها، فلم يغير على أحد شيئا، و لا غدر بأحد حتى و لا على سريته لم يغيرها و لم يتسر عليها. و كان كاسمه المتقى باللَّه كثير الصيام و الصلاة و التعبد. و قال: لا أريد جليسا و لا مسامرا، حسبي المصحف نديما، لا أريد نديما غيره. فانقطع عنه الجلساء و السمار و الشعراء و الوزراء و التفوا على الأمير بجكم، و كان يجالسهم و يحادثونه و يتناشدون و عنده الأشعار، و كان بجكم لا يفهم كثير شيء مما يقولون لعجمته، و كان في جملتهم سنان بن ثابت الصابي المتطبب، و كان بجكم يشكو إليه قوة النفس الغضبية فيه، و كان سنان يهذب من أخلاقه و يسكن جأشه، و يروض نفسه حتى يسكن عن بعض ما كان يتعاطاه من سفك الدماء، و كان المتقى باللَّه حسن الوجه معتدل الخلق قصير الأنف أبيض مشربا حمرة، و في شعره شقرة، و جعودة، كث اللحية، أشهل العينين، أبى النفس. لم يشرب خمرا و لا نبيذا قط، فالتقى فيه الاسم و الفعل و للَّه الحمد. و لما استقر المتقى في الخلافة أنفذ الرسول و الخلع إلى بجكم و هو بواسط، و نفذت المكاتبات إلى الآفاق بولايته.
و فيها تحارب أبو عبد اللَّه البريدي و بجكم بناحية الأهواز، فقتل بجكم في الحرب و استظهر البريدي عليه و قوى أمره، فاحتاط الخليفة على حواصل بجكم، و كان في جملة ما أخذ من أمواله ألف ألف دينار، و مائة ألف دينار. و كانت أيام بجكم على بغداد سنتين و ثمانية أشهر و تسعة أيام. ثم إن