البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٩٢ - ذكر ملك قسام التراب لدمشق فيها
أن ابن عمه أسره كما ذكرنا و قتله سريعا، فكانت مدة حياته ستا و ثلاثين سنة، و مدة دولته منها إحدى و عشرين سنة و شهور، و هو الّذي أظهر الرفض ببغداد و جرى بسبب ذلك شرور كما تقدم.
محمد بن عبد الرحمن
أبو بكر القاضي المعروف بابن قريعة، ولى القضاء بالسندية، و كان فصيحا يأتى بالكلام المسجوع من غير تكلف و لا تردد، و كان جميل المعاشرة و من شعره:
لي حيلة في من ينمم* * * و ليس في الكذاب حيلة
من كان يخلق ما يقول* * * فحيلتي فيه قليلة
و كان يقول للرجل من أصحابه إذا تماشيا: إذا تقدمت بين يديك فانى حاجب و إن تأخرت فواجب.
توفى يوم السبب لعشر بقين من جمادى الآخرة منها.
ثم دخلت سنة ثمان و ستين و ثلاثمائة
في شعبان منها أمر الطائع للَّه أن يدعى لعضد الدولة بعد الخليفة على المنابر ببغداد، و أن تضرب الدبادب على بابه وقت الفجر و بعد المغرب و العشاء. قال ابن الجوزي: و هذا شيء لم يتفق لغيره من بنى بويه، و قد كان معز الدولة سأل من الخليفة أن يضرب الدبادب على بابه فلم يأذن له، و قد افتتح عز الدولة في هذه السنة و هو مقيم بالموصل أكثر بلاد أبى تغلب بن حمدان، كآمد و الرحبة و غيرهما، ثم دخل بغداد في سلخ ذي القعدة فتلقاه الخليفة و الأعيان إلى أثناء الطريق.
ذكر ملك قسام التراب لدمشق فيها
لما ذهب الفتكين إلى ديار مصر نهض رجل من أهل دمشق يقال له قسام التراب، كان الفتكين يقربه و يدنيه، و يأمنه على أسراره، فاستحوذ على دمشق و طاوعه أهلها و قصدته عساكر العزيز من مصر فحاصروه فلم يتمكنوا منه، و جاء أبو تغلب بن ناصر الدولة بن حمدان فحاصره فلم يقدر أن يدخل دمشق، فانصرف عنه خائبا إلى طبرية، فوقع بينه و بين بنى عقيل و غيرهم من العرب حروب طويلة، آل الحال إلى أن قتل أبو تغلب و كانت معه أخته و جميلة امرأته و هي بنت سيف الدولة، فردتا إلى سعد الدولة بن سيف الدولة بحلب، فأخذ أخته و بعث بجميلة إلى بغداد فحبست في دار و أخذ منها أموال جزيله. و أما قسام التراب هذا- و هو من بنى الحارث بن كعب من اليمن- فإنه أقام بالشام فسد خللها و قام بمصالحها مدة سنين عديدة، و كان مجلسه بالجامع يجتمع الناس إليه فيأمرهم و ينهاهم فيمتثلون ما يأمر به. قال ابن عساكر: أصله من قرية تلفيتا، و كان ترابا. قلت و العامة يسمونه قسيم الزبال، و إنما هو قسام، و لم يكن زبالا بل ترابا من قرية تلفيتا بالقرب من قرية منين، و كان بدو أمره أنه انتمى إلى رجل من أحداث أهل دمشق يقال له أحمد بن المسطان، فكان من