البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٢٢ - فخر الدولة بن بويه
الكثيرة الحافلة في فنون من العلوم، سمع الحديث من البغوي و أبى بكر النيسابورىّ و ابن صاعد و خلق في أقاليم متعددة، و عنه جماعة من الحفاظ، منهم أبو الفتح بن أبى الفوارس، و الأزجي و البرمكي، و أثنى عليه غير واحد من الأئمة، و كان ممن يأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر، و قد رأى بعضهم رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فقال: يا رسول اللَّه قد اختلفت على المذاهب. فقال: عليك بأبي عبد اللَّه ابن بطة، فلما أصبح ذهب إليه ليبشره بالمنام فحين رآه ابن بطة تبسم إليه و قال له- قبل أن يخاطبه- صدق رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ثلاث مرات. و قد تصدى الخطيب البغدادي للكلام في ابن بطة و الطعن عليه و فيه بسبب بعض الجرح في ابن بطة الّذي أسنده إلى شيخه عبد الواحد بن على الأسدي المعروف بابن برهان اللغوي، فانتدب ابن الجوزي للرد على الخطيب و الطعن عليه أيضا بسبب بعض مشايخه و الانتصار لابن بطة، فحكى عن أبى ألوفا بن عقيل أن ابن برهان كان يرى مذهب مرجئة المعتزلة، في أن الكفار لا يخلدون في النار، و إنما قالوا ذلك لأن دوام ذلك إنما هو للتشفي و لا معنى له هنا مع أنه قد وصف نفسه بأنه غفور رحيم، و أنه أرحم الراحمين. ثم شرع ابن عقيل يرد على ابن برهان. قال ابن الجوزي: فكيف يقبل الجرح من مثل هذا!؟. ثم روى ابن الجوزي بسنده عن ابن بطة أنه سمع المعجم من البغوي، قال: و المثبت مقدم على النافي.
قال الخطيب:
و حدثني عبد الواحد بن برهان قال: ثنا محمد بن أبى الفوارس روى عن ابن بطة عن البغوي عن أبى مصعب عن مالك بن الزهري عن أنس. قال قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): «طلب العلم فريضة على كل مسلم».
قال الخطيب: و هذا باطل من حديث مالك، و الحمل فيه على ابن بطة. قال ابن الجوزي:
و الجواب عن هذا من وجهين: أحدهما أنه وجد بخط ابن برهان: ما حكاه الخطيب في القدح في ابن بطة و هو شيخي أخذت عنه العلم في البداية، الثاني أن ابن برهان قد تقدم القدح فيه بما خالف فيه الإجماع، فكيف قبلت القول في رجل قد حكيت عن مشايخ العلماء أنه رجل صالح مجاب الدعوة، نعوذ باللَّه من الهوى
على بن عبد العزيز بن مدرك
أبو الحسن البردعي، روى عن أبى حاتم و غيره، و كان كثير المال فترك الدنيا و أقبل على الآخرة، فاعتكف في المسجد، و كان كثير الصلاة و العبادة.
فخر الدولة بن بويه
على بن ركن الدولة أبى على الحسن بن بويه الديلميّ، ملك بلاد الري و نواحيها، و حين مات أخوه مؤيد الدولة كتب إليه الوزير ابن عباد بالإسراع إليه فولاه الملك بعده، و استوزر ابن عباد على ما كان عليه. توفى عن ست و أربعين سنة، منها مدة ملكه ثلاث عشرة سنة و عشرة أشهر و سبعة عشر يوما، و ترك من الأموال شيئا كثيرا، من الذهب ما يقارب ثلاثة آلاف ألف دينار،