البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٣٩ - ذكر تخريب قمامة في هذه السنة
و جرت فتنة عظيمة طويلة، و أحضرت الشيعة مصحفا ذكروا أنه مصحف عبد اللَّه بن مسعود، و هو مخالف للمصاحف كلها، فجمع الاشراف و القضاة و الفقهاء في يوم جمعة لليلة بقيت من رجب، و عرض المصحف عليهم فأشار الشيخ أبو حامد الأسفراييني و الفقهاء بتحريقه، ففعل ذلك بمحضر منهم، فغضب الشيعة من ذلك غضبا شديدا، و جعلوا يدعون ليلة النصف من شعبان على من فعل ذلك و يسبونه، و قصد جماعة من أحداثهم دار الشيخ أبى حامد ليؤذوه فانتقل منها إلى دار القطن، و صاحوا يا حاكم يا منصور، و بلغ ذلك الخليفة فغضب و بعث أعوانه لنصرة أهل السنة، فحرقت دور كثيرة من دور الشيعة، و جرت خطوب شديدة، و بعث عميد الجيوش إلى بغداد لينفى عنها ابن المعلم فقيه الشيعة، فأخرج منها ثم شفع فيه، و منعت القصاص من التعرض للذكر و السؤال باسم الشيخين، و على رضى اللَّه عنهم، و عاد الشيخ أبو حامد إلى داره على عادته. و في شعبان منها زلزلت الدينور زلزالا شديدا، و سقطت منها دور كثيرة، و هلك للناس شيء كثير من الأثاث و الأمتعة، وهبت ريح سوداء بدقوقى و تكريت و شيراز، فأتلفت كثيرا من المنازل و النخيل و الزيتون، و قتلت خلقا كثيرا، و سقط بعض شيراز و وقعت رجفة بشيراز غرق بسببها مراكب كثيرة في البحر. و وقع بواسط برد زنة الواحدة مائة درهم و ستة دراهم، و وقع ببغداد في رمضان- و ذلك في أيار- مطر عظيم سالت منه المزاريب.
ذكر تخريب قمامة في هذه السنة
و فيها أمر الحاكم بتخريب قمامة و هي كنيسة النصارى ببيت المقدس، و أباح للعامة ما فيها من الأموال و الأمتعة و غير ذلك، و كان سبب ذلك البهتان الّذي يتعاطاه النصارى في يوم الفصح من النار التي يحتالون بها، و هي التي يوهمون جهلتهم أنها نزلت من السماء، و إنما هي مصنوعة بدهن البلسان في خيوط الإبريسم، و الرقاع المدهونة بالكبريت و غيره، بالصنعة اللطيفة التي تروج على الطغام منهم و العوام، و هم إلى الآن يستعملونها في ذلك المكان بعينه. و كذلك هدم في هذه السنة عدة كنائس ببلاد مصر، و نودي في النصارى: من أحب الدخول في دين الإسلام دخل و من لا يدخل فليرجع إلى بلاد الروم آمنا، و من أقام منهم على دينه فليلتزم بما شرط عليهم من الشروط التي زادها الحاكم على العمرية، من تعليق الصلبان على صدورهم، و أن يكون الصليب من خشب زنته أربعة أرطال، و على اليهود تعليق رأس العجل زنته ستة أرطال. و في الحمام يكون في عنق الواحد منهم قربة زنة خمسة أرطال، بأجراس، و أن لا يركبوا خيلا. ثم بعد هذا كله أمر بإعادة بناء الكنائس التي هدمها و أذن لمن أسلم منهم في الارتداد إلى دينه. و قال ننزه مساجدنا أن يدخلها من لا نية له، و لا يعرف باطنه، قبحه اللَّه.