البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٤١ - ذكر مسير أبى أحمد الموفق إلى المدينة التي فيها صاحب الزنج و هي المختارة ليحاصرها
ثم أمر بهدم فنادقها و أسوارها و ردم خنادقها و أنهارها، و أقام بها سبعة عشر يوما، و بعث في آثار من انهزم منهم، فكان لا يأتون بأحد منهم إلا استماله إلى الحق برفق و لين و صفح، فمن أجابه أضافه إلى بعض الأمراء- و كان مقصوده رجوعهم إلى الدين و الحق- و من لم يجبه قتله و حبسه. ثم ركب إلى الأهواز فأجلاهم عنها و طردهم منها و قتل خلقا كثيرا من أشرافهم، منهم أبو عيسى محمد بن إبراهيم البصري و كان رئيسا فيهم مطاعا، و غنم شيئا كثيرا من أموالهم، و كتب الموفق إلى صاحب الزنج قبحه اللَّه كتابا يدعوه فيه إلى التوبة و الرجوع عما ارتكبه من المآثم و المظالم و المحارم و دعوى النبوة و الرسالة و خراب البلدان و استحلال الفروج الحرام. و نبذ له الأمان إن هو رجع إلى الحق، فلم يرد عليه صاحب الزنج جوابا
ذكر مسير أبى أحمد الموفق إلى المدينة التي فيها صاحب الزنج و هي المختارة ليحاصرها
لما كتب أبو أحمد إلى صاحب الزنج يدعوه إلى الحق فلم يجبه، استهانة به، ركب من فوره في جيوش عظيمة قريب من خمسين ألف مقاتل، قاصدا إلى المختارة مدينة صاحب الزنج، فلما انتهى إليها وجدها في غاية الأحكام، و قد حوط عليها من آلات الحصار شيئا كثيرا، و قد التف على صاحب الزنج نحو من ثلاثمائة ألف مقاتل بسيف و رمح و مقلاع، و من يكثر سوادهم، فقدّم الموفق ولده أبا العباس بين يديه فتقدم حتى وقف تحت قصر الملك فحاصره محاصرة شديدة، و تعجب الزنج من إقدامه و جرأته، ثم تراكمت الزنج عليه من كل مكان فهزمهم و أثبت بهبوذ أكبر أمراء صاحب الزنج بالسهام و الحجارة ثم خامر جماعة من أصحاب أمراء صاحب الزنج إلى الموفق فأكرمهم و أعطاهم خلعا سنية ثم رغب إلى ذلك جماعة كثيرون فصاروا إلى الموفق، ثم ركب أبو أحمد الموفق في يوم النصف من شعبان و نادى في الناس كلهم بالأمان إلا صاحب الزنج فتحول خلق كثير من جيش صاحب الزنج إلى الموفق، و ابتنى الموفق مدينة تجاه مدينة صاحب الزنج سماها الموفقية، و أمر بحمل الأمتعة و التجارات إليها، فاجتمع بها من أنواع الأشياء و صنوفها ما لم يجتمع في بلد قبلها، و عظم شأنها و امتلأت من المعايش و الأرزاق و صنوف التجارات و السكان و الدواب و غيرهم، و إنما بناها ليستعين بها على قتال صاحب الزنج، ثم جرت بينهم حروب عظيمة، و ما زالت الحرب ناشبة حتى انسلخت هذه السنة و هم محاصرون للخبيث صاحب الزنج، و قد تحول منهم خلق كثير فصاروا على صاحب الزنج بعد ما كانوا معه، و بلغ عدد من تحول قريبا من خمسين ألفا من الأمراء الخواص و الأجناد، و الموفق و أصحابه في زيادة و قوة و نصر و ظفر. و فيها حج بالناس هارون بن محمد الهاشمي و فيها توفى من الأعيان إسماعيل بن سيبويه. و إسحاق بن إبراهيم بن شاذان. و يحيى بن نصر الخولانيّ. و عباس الترقفي. و محمد بن حماد بن بكر بن حماد أبو بكر المقري صاحب خلف بن هشام