البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٤٣ - ثم دخلت سنة سبعين و مائتين من الهجرة
فأمر بتخريبه و ما حوله و ما قرب منه، ثم لازم الحصار فما زال حتى فتح المدينة الغربية و خرب قصور صاحب الزنج و دور أمرائه، و أخذ من أموالهم شيئا كثيرا مما لا يجد و لا يوصف كثرة، و أسر من نساء الزنج و استنقذ من نساء المسلمين و صبيانهم خلقا كثيرا، فأمر بردهم إلى أهاليهم مكرمين و قد تحول صاحب الزنج إلى الجانب الشرقي و عمل الجسر و القناطر الحائلة بينه و بين وصول السمريات إليه، فأمر الموفق بتخريبها و قطع الجسور، و استمر الحصار باقي هذه السنة و ما برح حتى تسلم الجانب الشرقي أيضا و استحوذ على حواصله و أمواله، و فر الخبيث هاربا غير آئب، و خرج منها هاربا و ترك حلائله و أولاده و حواصله، فأخذها الموفق و شرح ذلك يطول جدا. و قد حرره مبسوطا ابن جرير و لخصه ابن الأثير و اختصره ابن كثير و اللَّه أعلم و هو الموفق إلى الصواب و إليه المرجع و المآب.
و لما رأى الخليفة المعتمد أن أخاه أبا أحمد قد استحوذ على أمور الخلافة و صار هو الحاكم الآمر الناهي، و إليه تجلب التقادم و تحمل الأموال و الخراج، و هو الّذي يولى و يعزل، كتب إلى أحمد بن طولون يشكو إليه ذلك، فكتب إليه ابن طولون أن يتحول إلى عنده إلى مصر و وعده النصر و القيام معه، فاستغنم غيبة أخيه الموفق و ركب في جمادى الأولى و معه جماعة من القواد و قد أرصد له ابن طولون جيشا بالرقة يتلقونه، فلما اجتاز الخليفة بإسحاق بن كنداج نائب الموصل و عامة الجزيرة اعتقله عنده عن المسير إلى ابن طولون، و فند أعيان الأمراء الذين معه، و عاتب الخليفة و لامه على هذا الصنع أشد اللوم، ثم ألزمه العود إلى سامرا و من معه من الأمراء فرجعوا إليها في غاية الذل و الإهانة. و لما بلغ الموفق ذلك شكر سعى إسحاق و ولاه جميع أعمال أحمد بن طولون إلى أقصى بلاد إفريقية، و كتب إلى أخيه أن يلعن ابن طولون في راد العامة، فلم يمكن المعتمد إلا إجابته إلى ذلك، و هو كاره، و كان ابن طولون قد قطع ذكر الموفق في الخطب و أسقط اسمه عن الطرازات.
و فيها في ذي القعدة وقعت فتنة بمكة بين أصحاب الموفق و أصحاب ابن طولون، فقتل من أصحاب ابن طولون مائتان و هرب بقيتهم، و استلبهم أصحاب الموفق شيئا كثيرا. و فيها قطع الأعراب على الحجيج الطريق و أخذ منهم خمسة آلاف بعير بأحمالها و فيها توفى إبراهيم بن منقذ الكناني. و أحمد بن خلاد مولى المعتصم- و كان من دعاة المعتزلة أخذ الكلام عن جعفر بن معشر المعتزلي- و سليمان بن حفص المعتزلي صاحب بشر المريسي، و أبى الهذيل العلاف. و عيسى بن الشيخ بن السليل الشيباني نائب أرمينية و ديار بكر. و أبو فروة يزيد بن محمد الرهاوي أحد الضعفاء.
ثم دخلت سنة سبعين و مائتين من الهجرة
فيها كان مقتل صاحب الزنج قبحه اللَّه: و ذلك أن الموفق لما فرغ من شأن مدينة صاحب الزنج