البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٧ - ذكر خلافة المهتدي باللَّه
يموت الفتى من عثرة بلسانه* * * و ليس يموت المرء من عثرة الرجل
فعثرته من فيه ترمى برأسه* * * و عثرته في الرجل تبرأ على مهل
و ذكر ابن عساكر أن المعتز لما حذق القرآن في حياة أبيه المتوكل اجتمع أبوه و الأمراء لذلك و كذلك الكبراء و الرؤساء بسر من رأى، و اختلفوا لذلك أياما عديدة، و جرت أحوال عظيمة. و لما جلس و هو صبي على المنبر و سلم على أبيه بالخلافة، و خطب الناس نثرت الجواهر و الذهب و الدراهم على الخواص و العوام بدار الخلافة، و كان قيمة ما نثر من الجواهر يساوى مائة ألف دينار، و مثلها ذهبا، و ألف ألف درهم غير ما كان من خلع و أسمطة و أقمشة مما يفوت الحصر، و كان وقتا مشهودا لم يكن سرورا بدار الخلافة أبهج منه و لا أحسن. و خلع الخليفة على أم ولده المعتز قبيحة خلعا سنية، و أعطاها و أجزل لها العطاء، و كذلك خلع على مؤدب ولده و هو محمد بن عمران، أعطاه من الجوهر و الذهب و الفضة و القماش شيئا كثيرا جدا و اللَّه سبحانه و تعالى أعلم.
ذكر خلافة المهتدي باللَّه
أبى محمد عبد اللَّه محمد بن الواثق بن المعتصم بن هارون، كانت بيعته يوم الأربعاء لليلة بقيت من رجب من هذه السنة بعد خلع المعتز نفسه بين يديه و إشهاده عليه بأنه عاجز عن القيام بها، و أنه قد رغب إلى من يقوم بأعبائها. و هو محمد بن الواثق باللَّه، ثم مد يده فبايعه قبل الناس كلهم، ثم بايعه الخاصة ثم كانت بيعة العامة على المنبر، و كتب على المعتز كتابا أشهد فيه بالخلع و العجز و المبايعة للمهتدى. و في آخر رجب وقعت في بغداد فتنة هائلة، و ثبت فيها العامة على نائبها سليمان بن عبد اللَّه ابن طاهر و دعوا إلى بيعة أحمد بن المتوكل أخى المعتز، و ذلك لعدم علم أهل بغداد بما وقع بسامراء من بيعة المهتدي، و قتل من أهل بغداد و غرق منهم خلق كثير، ثم لما بلغهم بيعة المهتدي سكنوا،- و إنما بلغتهم في سابع شعبان- فاستقرت الأمور و استقر المهتدي في الخلافة. و في رمضان من هذه السنة ظهر عند قبيحة أم المعتز أموال عظيمة، و جواهر نفيسة. كان من جملة ذلك ما يقارب ألفى ألف دينار، و من الزمرد الّذي لم ير مثله مقدار مكرك، و من الحب الكبار مكوك، و كيلجة ياقوت أحمر مما لم ير مثله أيضا. و قد كان الأمراء طلبوا من ابنها المعتز خمسين ألف دينار تصرف في أرزاقهم و ضمنوا له أن يقتلوا صالح بن وصيف فلم يكن عنده من ذلك شيء، فطلب من أمه قبيحة هذه قبحها اللَّه فامتنعت أن تقرضه ذلك، فأظهرت الفقر و الشح: و أنه لا شيء عندها. ثم لما قتل ابنها و كان ما كان، ظهر عندها من الأموال ما ذكرنا. و كان عندها من الذهب و الفضة و الآنية شيء كثير، و قد كان لها من الغلات في كل سنة ما يعدل عشرة آلاف ألف دينار، و قد كانت قبل ذلك مختفية عند صالح بن وصيف عدو ولدها، ثم تزوجت به و كانت تدعو عليه تقول: اللَّهمّ اخز صالح بن وصيف كما هتك سترى