البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٧٧ - ثم دخلت سنة ثنتين و عشرين و ثلاثمائة
اليوم عالم اللغة، و عالم الكلام. و كان ذلك يوما مطيرا. و من مصنفات ابن دريد الجمهرة في اللغة نحو عشر مجلدات. و كتاب المطر، و المقصورة، و القصيدة الأخرى في المقصور و الممدود، و غير ذلك.
سامحه اللَّه.
ثم دخلت سنة ثنتين و عشرين و ثلاثمائة
فيها قصد ملك الروم ملطية في خمسين ألفا فحاصرهم ثم أعطاهم الأمان حتى تمكن منهم، فقتل منهم خلقا كثيرا و أسر ما لا يحصون كثرة، ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. و فيها وردت الأخبار أن مرداويج قد تسلم أصبهان و انتزعها من على بن بويه، و أن على بن بويه توجه إلى أرّجان فأخذها، و قد أرسل ابن بويه إلى الخليفة بالطاعة و المعونة، و إن أمكن أن يقبل العتبة الشريفة و يحضر بين يدي الخليفة إن رسم، و يذهب إلى شيراز فيكون مع ابن ياقوت. ثم اتفق الحال بعد ذلك أن صار إلى شيراز و أخذها من نائبها ابن ياقوت بعد قتال عظيم، ظفر فيه ابن بويه بابن ياقوت و أصحابه، فقتل منهم خلقا و أسر جماعة، فلما تمكن أطلقهم و أحسن إليهم و خلع عليهم، و عدل في الناس. و كانت معه أموال كثيرة قد استفادها من أصبهان و الكرخ و همذان و غيرها. و كان كريما جوادا معطيا للجيوش الذين قد التفوا عليه، ثم إنه أملق في بعض الأحيان و هو بشيراز، و طالبه الجند بأرزاقهم و خاف أن ينحل نظام أمره و ملكه، فاستلقى على قفاه يوما مفكرا في أمره، و إذا حية قد خرجت من شق في سقف المكان الّذي هو فيه و دخلت في آخر، فأمر بنزع تلك السقوف فوجد هناك مكانا فيه شيء كثير من الذهب، نحو من خمسمائة ألف دينار. فأنفق في جيشه ما أراد، و بقي عنده شيء كثير. و ركب ذات يوم يتفرج في جوانب البلد و ينظر إلى ما بنته الأوائل، و يتعظ بمن كان فيه قبله، فانخسفت الأرض من تحت قوائم فرسه، فأمر فحفر هنالك فوجد من الأموال شيئا كثيرا أيضا.
و استعمل عند رجل خياط قماشا ليلبسه فاستبطأه فأمر بإحضاره، فلما وقف بين يديه تهدده- و كان الخياط أصم لا يسمع جيدا فقال: و اللَّه أيها الملك ما لابن ياقوت عندي سوى اثنا عشر صندوقا لا أدرى ما فيها. فأمر بإحضارها فإذا فيها أموال عظيمة تقارب ثلاثمائة ألف دينار، و اطلع على ودائع كانت ليعقوب بن الليث، فيها من الأموال ما لا يحد و لا يوصف كثرة، فقوى أمره و عظم سلطانه جدا. و هذا كله من الأمور المقدرة لما يريد اللَّه بهم من السعادة الدنيوية، بعد الجوع و القلة (وَ رَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَ يَخْتارُ) و كتب إلى الراضي وزيره ابن مقلة أن يقاطع على ما قبله من البلاد على ألف ألف في كل سنة، فأجابه الراضي إلى ذلك، و بعث إليه بالخلع و اللواء و أبهة الملك. و فيها قتل القاهر أميرين كبيرين، و هما إسحاق بن إسماعيل النوبختيّ، و هو الّذي كان قد أشار على الأمراء بخلافة القاهر. و أبا السرايا بن حمدان أصغر ولد أبيه، و كان في نفس القاهر منهما بسبب أنهما زايداه من قبل أن يلي الخلافة في جاريتين مغنيتين. فاستدعاهما إلى المسامرة فتطيبا و حضرا، فأمر بإلقائهما في