البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٨٢ - ثم دخلت سنة خمس و ستين و ثلاثمائة
و جعل لا يؤتى بأسير إلا خلع على من جاء به، و جعل لمن جاءه الفتكين مائة ألف دينار، فاتفق أن الفتكين عطش عطشا شديدا، فاجتاز بمفرج بن دغفل، و كان صاحبه، فاستسقاه فسقاه و أنزله عنده في بيوته، و أرسل إلى العزيز يخبره بأن طلبته عنده، فليحمل المال إلى و ليأخذ غريمه، فأرسل إليه بمائة ألف دينار و جاء من تسلمه منه، فلما أحيط بالفتكين لم يشك أنه مقتول، فما هو إلا أن حضر عند العزيز أكرمه غاية الاكرام، ورد إليه حواصله و أمواله لم يفقد منها شيئا، و جعله من أخص أصحابه و أمرائه، و أنزله إلى جانب منزله، و رجع به إلى الديار المصرية مكرما معظما، و أقطعه هنالك اقطاعات جزيلة، و أرسل إلى القرمطى أن يقدم عليه و يكرمه كما أكرم الفتكين، فامتنع عليه و خاف منه، فأرسل إليه بعشرين ألف دينار، و جعلها له عليه في كل سنة، يكف بها شره، و لم يزل الفتكين مكرما عند العزيز حتى وقع بينه و بين الوزير ابن كاس، فعمل عليه حتى سقاه سما فمات، و حين علم العزيز بذلك غضب على الوزير و حبسه بضعا و أربعين يوما، و أخذ منه خمسمائة ألف دينار ثم رأى أن لا غنى به عنه فأعاده إلى الوزارة. و هذا ملخص ما ذكره ابن الأثير.
و فيها توفى من الأعيان
سبكتكين الحاجب التركي
مولى المعز الديلميّ و حاجبه، و قد ترقى في المراتب حتى آل به الأمر إلى أن قلده الطائع الامارة و خلع عليه و أعطاه اللواء، و لقبه بنور الدولة، و كانت مدة أيامه في هذا المقام شهرين و ثلاثة عشر يوما، و دفن ببغداد و داره هي دار الملك ببغداد، و هي دار عظيمة جدا، و قد اتفق له أنه سقط مرة عن فرسه فانكسر صلبه فداواه الطبيب حتى استقام ظهره و قدر على الصلاة إلا أنه لا يستطيع الركوع، فأعطاه شيئا كثيرا من الأموال، و كان يقول للطبيب: إذا ذكرت وجعي و مداواتك لي لا أقدر على مكافأتك، و لكن إذا تذكرت وضعك قدميك على ظهري اشتد غضبى منك. توفى ليلة الثلاثاء لسبع بقين من المحرم منها، و قد ترك من الأموال شيئا كثيرا جدا، من ذلك ألف ألف دينار و عشرة آلاف ألف درهم، و صندوقان من جوهر، و خمسة عشر صندوقا من البلور، و خمسة و أربعين صندوقا من آنية الذهب، و مائة و ثلاثون كوكبا من ذهب، منها خمسون وزن كل واحد ألف دينار، و ستمائة مركب من فضة و أربعة آلاف ثوب من ديباج، و عشرة آلاف ديبقي و عتابى، و ثلاثمائة عدل معكومة من الفرش، و ثلاثة آلاف فرس و ألف جمل و ثلاثمائة غلام و أربعون خادما و ذلك غير ما أودع عند أبى بكر البزار. و كان صاحبه.
ثم دخلت سنة خمس و ستين و ثلاثمائة
فيها قسم ركن الدولة بن بويه ممالكه بين أولاده عند ما كبرت سنه، فجعل لولده عضد الدولة بلاد فارس و كرمان و أرجان، و لولده مؤيد الدولة الري و أصبهان، و لفخر الدولة همدان و الدينور،