البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٨١ - ذكر أخذ دمشق من أيدي الفاطميين
ليخلع عليه و يجعله نائبا من جهته، فلم يجبه إلى ذلك، بل قطع خطبته من الشام و خطب للطائع العباسي، ثم قصد صيدا و بها خلق من المغاربة عليهم ابن الشيخ، و فيهم ظالم بن موهوب العقيلي الّذي كان نائبا على دمشق للمعز الفاطمي، فأساء بهم السيرة، فحاصرهم و لم يزل حتى أخذ البلد منهم، و قتل منهم نحوا من أربعة آلاف من سراتهم، ثم قصد طبرية ففعل بأهلها مثل ذلك، فعند ذلك عزم المعز الفاطمي على المسير إليه، فبينما هو يجمع له العساكر إذ توفى المعز في سنة خمس و ستين كما سيأتي، و قام بعده ولده العزيز، فاطمأن عند ذلك الفتكين بالشام، و استفحل أمره و قويت شوكته، ثم اتفق أمر المصريين على أن يبعثوا جوهرا القائد لقتاله و أخذ الشام من يده، فعند ذلك حلف أهل الشام لأفتكين أنهم معه على الفاطميين، و أنهم ناصحون له غير تاركيه و جاء جوهر فحصر دمشق سبعة أشهر حصرا شديدا و رأى من شجاعة الفتكين ما بهره، فلما طال الحال أشار من أشار من الدماشقة على الفتكين أن يكتب إلى الحسين بن أحمد بن القرمطى و هو بالحساء، ليجيء إليه، فلما كتب إليه أقبل لنصره، فلما سمع به جوهر لم يمكنه أن يبقى بين عدوين من داخل البلد و خارجها، و فارتحل قاصدا الرملة فتبعه الفتكين و القرمطى في نحو من خمسين ألفا، فتواقعوا عند نهر الطواحين على ثلاث فراسخ من الرملة، و حصروا جوهرا بالرملة فضاق حاله جدا من قلة الطعام و الشراب، حتى أشرف هو و من معه على الهلاك، فسأل من الفتكين على أن يجتمع هو و هو على ظهور الخيل، فأجابه إلى ذلك، فلم يزل يترفق له أن يطلقه حتى يذهب بمن معه من أصحابه إلى أستاذه شاكرا له مثنيا عليه الخير، و لا يسمع من القرمطى فيه- و كان جوهر داهية- فأجابه إلى ذلك فندّمه القرمطى و قال: الرأى أنا كنا نحصرهم حتى يموتوا عن آخرهم فإنه يذهب إلى أستاذه ثم يجمع العساكر و يأتينا، و لا طاقة لنا به. و كان الأمر كما قال، فإنه لما أطلقه الفتكين من الحصر لم يكن له دأب إلا أنه حث العزيز على الخروج إلى الفتكين بنفسه، فأقبل في جحافل أمثال الجبال، و في كثرة من الرجال و العدد و الأثقال و الأموال، و على مقدمته جوهر القائد. و جميع الفتكين و القرمطى الجيوش و الأعراب و ساروا إلى الرملة فاقتتلوا في محرم سنة سبع و ستين، و لما تواجهوا رأى العزيز من شجاعة الفتكين ما بهره، فأرسل إليه يعرض عليه إن أطاعه و رجع إليه أن يجعله مقدم عساكره، و أن يحسن إليه غاية الإحسان. فترجل افتكين عن فرسه بين الصفين و قبل الأرض نحو العزيز، و أرسل إليه يقول: لو كان هذا القول سبق قبل هذا الحال لأمكننى و سارعت و أطعت، و أما الآن فلا. ثم ركب فرسه و حمل على ميسرة العزيز ففرق شملها و بدد خيلها و رجلها، فبرز عند ذلك العزيز من القلب و أمر الميمنة فحملت حملة صادقة فانهزم القرمطى و تبعه بقية الشاميين و ركبت المغاربة أقفيتهم يقتلون و يأسرون من شاءوا، و تحول العزيز فنزل خيام الشاميين بمن معه، و أرسل السرايا وراءهم،