البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢١٦ - الحسن بن حمويه بن الحسين
قال لخادمه: قد كان على درهم مظلمة فتصدقت عن صاحبه بألوف، و مع هذا ما على قلبي شغل أعظم منه. ثم أمره بأن يوضئه فوضأه و ترك تخليل لحيته، فرفع الشبلي يده- و قد كان اعتقل لسانه- فجعل يخلل لحيته. و ذكره ابن خلكان في الوفيات، و حكى عنه أنه دخل يوما على الجنيد فوقف بين يديه و صفق بيديه و أنشد:
عودوني الوصال و الوصل عذب* * * و رموني بالصد و الصد صعب
زعموا حين أعتبوا أن جرمي* * * فرط حبي لهم و ما ذاك ذنب
لا و حق الخضوع عند التلاقي* * * ما جزاء من يحب إلا يحب
و ذكر عنه قال: رأيت مجنونا على باب جامع الرصافة يوم جمعة عريانا و هو يقول: أنا مجنون اللَّه فقلت: ألا تستتر و تدخل إلى الجامع فتصلي الجمعة. فقال:
يقولون زرنا و اقض واجب حقنا* * * و قد أسقطت حالي حقوقهم عنى
إذا أبصروا حالي و لم يأنفوا لها* * * و لم يأنفوا منى أنفت لهم منى
و ذكر الخطيب في تاريخه عنه أنه أنشد لنفسه فقال:
مضت الشبيبة و الحبيبة فانبرى* * * دمعان في الأجفان يزدحمان
ما أنصفتنى الحادثات رمينني* * * بمودعين و ليس لي قلبان
كانت وفاته (رحمه اللَّه) ليلة الجمعة لليلتين بقيتا من هذه السنة، و له سبع و ثمانون سنة، و دفن في مقبرة الخيزران ببغداد و اللَّه أعلم.
ثم دخلت سنة خمس و ثلاثين و ثلاثمائة
في هذه السنة استقر أمر الخليفة المطيع للَّه في دار الخلافة و اصطلح معز الدولة بن بويه و ناصر الدولة بن حمدان على ذلك، ثم حارب ناصر الدولة تكين التركي فاقتتلا مرات متعددة، ثم ظفر ناصر الدولة بتكين فسمل بين يديه، و استقر أمره بالموصل و الجزيرة، و استحوذ ركن الدولة على الري و انتزعها من الخراسانية، و اتسعت مملكة بنى بويه جدا، فإنه صار بأيديهم أعمال الري و الجبل و أصبهان و فارس و الأهواز و العراق، و يحمل إليهم ضمان الموصل و ديار ربيعة من الجزيرة و غيرها ثم اقتتل جيش معز الدولة و جيش أبى القاسم البريدي فهزم أصحاب البريدي و أسر من أعيانهم جماعة كثيرة. و فيها وقع الفداء بين الروم و المسلمين على يد نصر المستملي أمير الثغور لسيف الدولة بن حمدان، فكان عدة الأسارى نحوا من ألفين و خمسمائة مسلم و للَّه الحمد و المنة.
و ممن توفى فيها من الأعيان.
الحسن بن حمويه بن الحسين
القاضي الأستراباذيّ. روى الكثير و حدث، و كان له مجلس للاملاء، و حكم ببلده مدة طويلة،