البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٣٤ - ثم دخلت سنة خمس و تسعين و ثلاثمائة
الحجيج كله بسببهما، فلم يتعرض أحد من الأعراب لهم، و ذهب الناس إلى الحج سالمون شاكرون لذينك الرجلين المقرءين. و لما وقف الناس بعرفات قرأ هذان الرجلان قراءة عظيمة على جبل الرحمة فضج الناس بالبكاء من سائر الركوب لقراءتهما، و قالوا لأهل العراق: ما كان ينبغي لكم أن تخرجوا معكم بهذين الرجلين في سفرة واحدة، لاحتمال أن يصابا جميعا، بل كان ينبغي أن تخرجوا بأحدهما و تدعوا الآخر، فإذا أصيب سلم الآخر. و كانت الحجة و الخطبة للمصريين كما هي لهم من سنين متقدمة، و قد كان أمير العراق عزم على العود سريعا إلى بغداد على طريقهم التي جاءوا منها، و أن لا يسيروا إلى المدينة النبويّة خوفا من الأعراب، و كثرة الخفارات، فشق ذلك على الناس، فوقف هذان الرجلان القارئان على جادة الطريق التي منها يعدل إلى المدينة النبويّة، و قرءا (ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَ مَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَ لا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ) الآيات فضج الناس بالبكاء و أمالت النوق أعناقها نحوهما، فمال الناس بأجمعهم و الأمير إلى المدينة النبويّة فزاروا و عادوا سالمين إلى بلادهم و للَّه الحمد و المنة. و لما رجع هذان القارئان رتبهما ولى الأمر مع أبى بكر بن البهلول- و كان مقرئا مجيدا أيضا- ليصلوا بالناس صلاة التراويح في رمضان، فكثر الجمع وراءهم لحسن تلاوتهم، و كانوا يطيلون الصلاة جدا و يتناوبون في الإمامة، يقرءون في كل ركعة بقدر ثلاثين آية، و الناس لا ينصرفون من التراويح إلا في الثلث الأول من الليل، أو قريب النصف منه. و قد قرأ ابن البهلول يوما في جامع المنصور قوله تعالى (أَ لَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَ ما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ) فنهض إليه رجل صوفى و هو يتمايل فقال: كيف قلت؟ فأعاد الآية، فقال الصوفي: بلى و اللَّه، و سقط ميتا (رحمه اللَّه). قال ابن الجوزي: و كذلك وقع لأبى الحسن بن الخشاب شيخ ابن الرفّاء، و كان تلميذا لأبى بكر بن الأدمي المتقدم ذكره، و كان جيد القراءة حسن الصوت أيضا، قرأ ابن الخشاب هذا في جامع الرصافة في الاحياء هذه الآية (أَ لَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا) فتواجد رجل صوفى و قال: بلى و اللَّه قد آن، و جلس و بكى بكاء طويلا، ثم سكت سكتة فإذا هو ميت (رحمه اللَّه).
و ممن توفى فيها من الأعيان
أبو على الإسكافي
و يلقب بالموفى، و كان مقدما عند بهاء الدولة، فولاه بغداد فأخذ أموالا كثيرة من اليهود ثم هرب إلى البطيحة، فأقام بها سنتين، ثم قدم بغداد فولاه بهاء الدولة الوزارة، و كان شهما منصورا في الحرب ثم عاقبه بعد ذلك و قتله في هذه السنة، عن تسع و أربعين سنة.
ثم دخلت سنة خمس و تسعين و ثلاثمائة
فيها عاد مهذب الدولة إلى البطيحة و لم يمانعه ابن واصل، و قرر عليه في كل سنة لبهاء الدولة