البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٦٧ - ثم دخلت سنة تسع و خمسين و ثلاثمائة
القاسم هذا إلى الديار المصرية، و أسر الحسن بن طغج و جماعة من الأمراء و حملوا إلى الديار المصرية، فحملهم جوهر القائد إلى المعز بإفريقية، و استقرت يد الفاطميين على دمشق في سنة ستين كما سيأتي و أذن فيها و في نواحيها يحى على خير العمل أكثر من مائة سنة، و كتب لعنة الشيخين على أبواب الجوامع بها، و أبواب المساجد، ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. و لم يزل ذلك كذلك حتى أزالت ذلك دولة الأتراك و الأكراد نور الدين الشهيد و صلاح الدين بن أيوب على ما سيأتي بيانه. و فيها دخلت الروم إلى حمص فوجدوا أكثر أهلها قد انجلوا عنها و ذهبوا، فحرقوها و أسروا ممن بقي فيها و من حولها نحوا من مائة ألف إنسان، ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. و في ذي الحجة منها نقل عز الدولة والده معز الدولة ابن بويه من داره إلى تربته بمقابر قريش.
ثم دخلت سنة تسع و خمسين و ثلاثمائة
في عاشر المحرم منها عملت الرافضة بدعتهم الشنعاء فغلقت الأسواق و تعطلت المعايش و دارت النساء سافرات عن وجوههن ينحن على الحسين بن على و يلطمن وجوههن، و المسوح معلقة في الأسواق و التبن مدرور فيها. و فيها دخلت الروم أنطاكية فقتلوا من أهلها الشيوخ و العجائز و سبوا الصبايا و الأطفال نحوا من عشرين ألفا ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. و ذلك كله بتدبير ملك الأرمن نقفور لعنه اللَّه و كل هذا في ذمة ملوك الأرض أهل الرفض الذين قد استحوذوا على البلاد و أظهروا فيها الفساد قبحهم اللَّه. قال ابن الجوزي: و كان قد تمرد و طغا، و كان هذا الخبيث قد تزوج بامرأة الملك الّذي كان قبله، و لهذا الملك المتقدم ابنان، فأراد أن يخصيهما و يجعلهما في الكنيسة لئلا يصلحا بعد ذلك للملك، فلما فهمت ذلك أمهما عملت عليه و سلطت عليه الأمراء فقتلوه و هو نائم و ملكوا عليهم أكبر ولديها. و في ربيع الأول صرف عن القضاء أبو بكر أحمد بن سيار و أعيد إليه أبو محمد بن معروف. قال ابن الجوزي: و فيها نقصت دجلة حتى غارت الآبار. و حج بالناس الشريف أبو أحمد النقيب، و انقض كوكب في ذي الحجة فأضاءت له الأرض حتى بقي له شعاع كالشمس، ثم سمع له صوت كالرعد. قال ابن الأثير: و في المحرم منها خطب للمعز الفاطمي بدمشق عن أمر جعفر بن فلاح الّذي أرسله جوهر القائد بعد أخذه مصر، فقاتله أبو محمد الحسن بن عبد اللَّه ابن طغج بالرملة فغلبه ابن فلاح و أسره و أرسله إلى جوهر فأرسله إلى المعز و هو بإفريقية. و فيها وقعت المنافرة بين ناصر الدولة بن حمدان و بين ابنه أبى تغلب، و سببه أنه لما مات معز الدولة بن بويه عزم أبو تغلب و من وافقه من أهل بيته على أخذ بغداد، فقال لهم أبوهم: إن معز الدولة قد ترك لولده عز الدولة أموالا جزيلة فلا تقدرون عليه ما دامت في يده، فاصبروا حتى ينفقها فإنه مبذر، فإذا أفلس فسيروا إليه فإنكم تغلبونه، فحقد عليه ولده أبو تغلب بسبب هذا القول و لم يزل بأبيه