البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٦٤ - ثم دخلت سنة ثمان عشرة و ثلاثمائة
حاتم و غيره: أحاديثه تدخل في الصحيح. و قال الدار قطنى: كان البغوي قل ما يتكلم على الحديث، فإذا تكلم كان كلامه كالمسمار في الساج. و قد ذكره ابن عدي في كامله فتكلم فيه، و قال:
حدث بأشياء أنكرت عليه. و كان معه طرف من معرفة الحديث و التصانيف، و قد انتدب ابن الجوزي للرد على ابن عدي في هذا الكلام، و ذكر أنه توفى ليلة عيد الفطر منها، و قد استكمل مائة سنة و ثلاث سنين و شهورا، و هو مع ذلك صحيح السمع و البصر و الأسنان، يطأ الإماء. توفى ببغداد و دفن بمقبرة باب التبن. (رحمه اللَّه) و أكرم مثواه.
محمد بن أبى الحسين بن محمد بن عثمان
الشهيد الحافظ أبو الفضل الهروي، يعرف بابن أبى سعد، قدم بغداد و حدث بها عن محمد بن عبد اللَّه الأنصاري. و حدث عنه ابن المظفر الحافظ، و كان من الثقات الأثبات الحفاظ المتقنين، له مناقشات على بضعة عشر حديثا من صحيح مسلم، قتلته القرامطة يوم التروية بمكة في هذه السنة في جملة من قتلوا، (رحمه اللَّه) و أكرم مثواه.
الكعبي المتكلم
هو أبو القاسم عبد اللَّه بن أحمد بن محمود البلخي الكعبي المتكلم، نسبة إلى بنى كعب، و هو أحد مشايخ المعتزلة، و تنسب إليه الطائفة الكعبية منهم. قال ابن خلكان: كان من كبار المتكلمين، و له اختيارات في علم الكلام. من ذلك أنه كان يزعم أن أفعال اللَّه تقع بلا اختيار منه و لا مشيئة. قلت: و قد خالف الكعبي نص القرآن في غير ما موضع. قال تعالى (وَ رَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَ يَخْتارُ) و قال (وَ لَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ) (وَ لَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها) (وَ إِذا أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها) الآية. و غيرها مما هو معلوم بالضرورة و صريح العقل و النقل.
ثم دخلت سنة ثمان عشرة و ثلاثمائة
فيها عزل الخليفة المقتدر وزيره أبا على بن مقلة، و كانت مدة و زارته سنتين و أربعة أشهر و ثلاثة أيام، و استوزر مكانه سليمان بن الحسن بن مخلد، و جعل على بن عيسى ناظرا معه. و في جمادى الأولى منها أحرقت دار أبى على بن مقلة، و كان قد أنفق عليها مائة ألف دينار، فانتهب الناس أخشابها و ما وجدوا فيها من حديد و رصاص و غيره، و صادره الخليفة بمائتي ألف دينار. و فيها طرد الخليفة الرجالة الذين كانوا بدار الخلافة عن بغداد، و ذلك أنه لما ردّ المقتدر إلى الخلافة شرعوا ينفسون بكلام كثير عليه، و يقولون: من أعان ظالما سلطه اللَّه عليه. و من أصعد الحمار على السطح لم يقدر أن ينزله. فأمر بإخراجهم و نفيهم عن بغداد، و من أقام منهم عوقب. فأحرقت دور كثيرة من قراباتهم، و احترق بعض نسائهم و أولادهم، فخرجوا منها في غاية الإهانة، فنزلوا واسط و تغلبوا عليها و أخرجوا