البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٣ - خلافة المعتمد على اللَّه
و سلموه إلى رجل فلم يزل يجأ خصيتيه و يطؤهما حتى مات (رحمه اللَّه). و ذلك يوم الخميس لثنتى عشرة ليلة بقيت من رجب.
و كانت خلافته أقل من سنة بخمسة أيام، و كان مولده في سنة تسع عشرة، و قيل خمس عشرة و مائتين، و كان أسمر رقيقا أحنى حسن اللحية يكنى أبا عبد اللَّه. و صلى عليه جعفر بن عبد الواحد و دفن بمقبرة المنتصر بن المتوكل. قال الخطيب: و كان من أحسن الخلفاء مذهبا و أجودهم طريقة و أكثرهم ورعا و عبادة و زهادة. قال: و روى حديثا واحدا قال:
حدثني على بن هشام بن طراح عن محمد بن الحسن الفقيه عن ابن أبى ليلى- و هو داود بن على- عن أبيه عن ابن عباس قال قال العباس: يا رسول اللَّه ما لنا في هذا الأمر؟ قال: «لي النبوة و لكم الخلافة، بكم يفتح هذا الأمر و بكم يختم» و قال للعباس: «من أحبك نالته شفاعتي، و من أبغضك لا نالته شفاعتي».
و روى.
الخطيب أن رجلا استعان المهتدي على خصمه فحكم بينهما بالعدل فأنشأ الرجل يقول:
حكمتموه فقضى بينكم* * * أبلج مثل القمر الزاهر
لا يقبل الرشوة في حكمه* * * و لا يبالي غبن الخاسر
فقال له المهتدي: أما أنت أيها الرجل فأحسن اللَّه مقالتك، و لست أغتر بما قلت: و أما أنا فانى ما جلست مجلسى هذا حتى قرأت (وَ نَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَ إِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَ كَفى بِنا حاسِبِينَ) قال: فبكى الناس حوله فما رئي أكثر باكيا من ذلك اليوم. و قال بعضهم: سرد المهتدي الصوم من حين تولى إلى حين قتل (رحمه اللَّه). و كان يحب الاقتداء بما سلكه عمر بن عبد العزيز الأموي في خلافته من الورع و التقشف و كثرة العبادة و شدة الاحتياط، و لو عاش و وجد ناصرا لسار سيرته ما أمكنه، و كان من عزمه أن يبيد الأتراك الذين أهانوا الخلفاء و أذلوهم، و انتهكوا منصب الخلافة. و قال أحمد بن سعيد الأموي: كنا جلوسا بمكة و عندي جماعة و نحن نبحث في النحو و أشعار العرب، إذ وقف علينا رجل نظنه مجنونا فأنشأ يقول:
أما تستحيون اللَّه يا معدن النحو* * * شغلتم بذا و الناس في أعظم الشغل
إمامكم أضحى قتيلا مجندلا* * * و قد أصبح الإسلام مفترق الشمل
و أنتم على الأشعار و النحو عكّفا* * * تصيحون بالأصوات في أحسن السبل
قال فنظر و أرخنا ذلك اليوم فإذا المهتدي باللَّه قد قتل في ذلك اليوم، و هو يوم الاثنين لأربع عشرة بقيت من رجب سنة ست و خمسين و مائتين.
خلافة المعتمد على اللَّه
و هو أحمد بن المتوكل على اللَّه و يعرف بابن فتيان، بويع بالخلافة يوم الثلاثاء لثلاث عشرة ليلة