البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٤٠ - ثم دخلت سنة إحدى و خمسين و ثلاثمائة
بأيدي المسلمين من أسارى الروم، و كانوا ألفا و أربعمائة، فأخذ الأسارى السيوف و قاتلوا المسلمين، و كانوا أضر على المسلمين من قومهم، و أسروا نحوا من بضعة عشر ألفا ما بين صبي و صبية، و من النساء شيئا كثيرا، و من الرجال الشباب ألفين، و خربوا المساجد و أحرقوها، و صبوا في جباب الزيت الماء حتى فاض الزيت على وجه الأرض، و أهلكوا كل شيء قدروا عليه، و كل شيء لا يقدرون على حمله أحرقوه، و أقاموا في البلد تسعة أيام يفعلون فيها الأفاعيل الفاسدة العظيمة، كل ذلك بسبب فعل البلاحية و الشرط في البلد قاتلهم اللَّه. و كذلك حاكمهم ابن حمدان كان رافضيا يحب الشيعة و يبغض أهل السنة، فاجتمع على أهل حلب عدة مصائب، ثم عزم الدمستق على الرحيل عنهم خوفا من سيف الدولة، فقال له ابن أخيه: أين تذهب و تدع القلعة و أموال الناس غالبها فيها و نساؤهم؟ فقال له الدمستق: إنا قد بلغنا فوق ما كنا نأمل، و إن بها مقاتلة و رجالا غزاة، فقال له لا بدّ لنا منها، فقال له: اذهب إليها، فصعد إليها في جيش ليحاصرها فرموه بحجر فقتلوه في الساعة الراهنة من بين الجيش كله، فغضب عند ذلك الدمستق و أمر بإحضار من في يديه من أسارى المسلمين، و كانوا قريبا من ألفين، فضربت أعناقهم بين يديه لعنه اللَّه، ثم كر راجعا. و قد دخلوا عين زربة قبل ذلك في المحرم من هذه السنة، فأستأمنه أهلها فأمنهم و أمر بأن يدخلوا كلهم المسجد و من بقي في منزله قتل، فصاروا إلى المسجد كلهم ثم قال: لا يبقين أحد من أهلها اليوم إلا ذهب حيث شاء، و من تأخر قتل، فازدحموا في خروجهم من المسجد فمات كثير منهم، و خرجوا على وجوههم لا يدرون أين يذهبون، فمات في الطرقات منهم خلق كثير. ثم هدم الجامع و كسر المنبر و قطع من حول البلد أربعين ألف نخلة، و هدم سور البلد و المنازل المشار إليها، و فتح حولها أربعة و خمسين حصنا بعضها بالسيف و بعضها بالأمان، و قتل الملعون خلقا كثيرا، و كان في جملة من أسر أبو فراس بن سعيد بن حمدان تائب منبج من جهة سيف الدولة، و كان شاعرا مطيقا، له ديوان شعر حسن، و كان مدة مقامه بعين زربة إحدى و عشرين يوما، ثم سار إلى قيسرية فلقيه أربعة آلاف من أهل طرسوس مع نائبها ابن الزيات، فقتل أكثرهم و أدركه صوم النصارى فاشتغل به حتى فرغ منه، ثم هجم على حلب بغتة، و كان من أمره ما ذكرناه. و فيها كتبت العامة من الروافض على أبواب المساجد لعنة معاوية بن أبى سفيان رضى اللَّه عنه، و كتبوا أيضا: و لعن اللَّه من غصب فاطمة حقها، و كانوا يلعنون أبا بكر و من أخرج العباس من الشورى، يعنون عمر، و من نفى أبا ذر- يعنون عثمان- رضى اللَّه عن الصحابة، و على من لعنهم لعنة اللَّه، و لعنوا من منع من دفن الحسن عند جده يعنون مروان بن الحكم، و لما بلغ ذلك جميعه معز الدولة لم ينكره و لم يغيره، ثم بلغه أن أهل السنة محوا ذلك و كتبوا عوضه لعن اللَّه الظالمين لآل محمد من الأولين و الآخرين، و التصريح