البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٥ - محمد بن إسماعيل البخاري
سائر أهل الإسلام، ولد البخاري (رحمه اللَّه) في ليلة الجمعة الثالث عشر من شوال سنة أربع و تسعين و مائة، و مات أبوه و هو صغير فنشأ في حجر أمه فألهمه اللَّه حفظ الحديث و هو في المكتب، و قرأ الكتب المشهورة و هو ابن ست عشرة سنة حتى قيل إنه كان يحفظ و هو صبي سبعين ألف حديث سردا، و حج و عمره ثماني عشرة سنة. فأقام بمكة يطلب بها الحديث، ثم رحل بعد ذلك إلى سائر مشايخ الحديث في البلدان التي أمكنته الرحلة إليها، و كتب عن أكثر من ألف شيخ. و روى عنه خلائق و أمم. و قد روى الخطيب البغدادي عن الفربري أنه قال: سمع الصحيح من البخاري معى نحو من سبعين ألفا لم يبق منهم أحد غيري. و قد روى البخاري من طريق الفر بري كما هي رواية الناس اليوم من طريقه، و حماد بن شاكر و إبراهيم بن معقل و طاهر بن مخلد و آخر من حدث عنه أبو طلحة منصور بن محمد بن على البردي النسفي و قد توفى النسفي هذا في سنة تسع و عشرين و ثلاثمائة. و وثقه الأمير أبو نصر بن ماكولا. و ممن روى عن البخاري مسلم في غير الصحيح، و كان مسلم يتلمذ له و يعظمه، و روى عنه الترمذي في جامعه، و النسائي في سننه في قول بعضهم. و قد دخل بغداد ثمان مرات، و في كل منها يجتمع بالإمام أحمد فيحثه أحمد على المقام ببغداد و يلومه على الاقامة بخراسان، و قد كان البخاري يستيقظ في الليلة الواحدة من نومه فيوقد السراج و يكتب الفائدة تمر بخاطره ثم يطفئ سراجه، ثم يقوم مرة أخرى و أخرى حتى كان يتعدد منه ذلك قريبا من عشرين مرة. و قد كان أصيب بصره و هو صغير فرأت أمه إبراهيم الخليل عليه الصلاة و السلام فقال يا هذه قد رد اللَّه على ولدك بصره بكثرة دعائك، أو قال بكائك، فأصبح و هو بصير. و قال البخاري: فكرت البارحة فإذا أنا قد كتبت لي مصنفات نحوا من مائتي ألف حديث مسندة. و كان يحفظها كلها. و دخل مرة إلى سمرقند فاجتمع بأربعمائة من علماء الحديث بها، فركبوا أسانيد و أدخلوا إسناد الشام في إسناد العراق، و خلطوا الرجال في الأسانيد و جعلوا متون الأحاديث على غير أسانيدها، ثم قرءوها على البخاري فرد كل حديث إلى إسناده، و قوّم تلك الأحاديث و الأسانيد كلها، و ما تعنتوا عليه فيها، و لم يقدروا أن يعلقوا عليه سقطة في إسناد و لا متن. و كذلك صنع في بغداد. و قد ذكروا أنه كان ينظر في الكتاب مرة واحدة فيحفظه من نظرة واحدة. و الأخبار عنه في ذلك كثيرة. و قد أثنى عليه علماء زمانه من شيوخه و أقرانه. فقال الامام أحمد: ما أخرجت خراسان مثله. و قال على بن المديني: لم ير البخاري مثل نفسه. و قال إسحاق بن راهويه: لو كان في زمن الحسن لاحتاج الناس إليه في الحديث و معرفته و فقهه. و قال أبو بكر بن أبى شيبة و محمد بن عبد اللَّه بن نمير: ما رأينا مثله. و قال على بن حجر: لا أعلم مثله. و قال محمود بن النظر بن سهل الشافعيّ: دخلت البصرة و الشام و الحجاز و الكوفة و رأيت علماءها كلما جرى ذكر محمد بن إسماعيل