البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٠٧ - ثم دخلت سنة ثنتين و ثلاثين و ثلاثمائة
دينارا، فلما امتلأ أرصد له جبا آخر كذلك، ثم آخر كذلك، فكان يضع فيها في كل يوم ثلاثة دنانير على عدد أيام عمر ولده. و مع هذا ما أفاده ذلك شيئا، بل افتقر هذا الولد حتى صار يستعطى من الناس، و كان يحضر مجلس السماع عليه عباءة بلا إزار، فكان يتصدق عليه أهل المجلس بشيء يقوم بأوده. و السعيد من أسعده اللَّه عز و جل.
محمد بن مخلد بن جعفر
أبو عمر الدوري العطار، كان يسكن الدور- و هي محلة بطرف بغداد- سمع الحسن بن عرفة و الزبير بن بكار و مسلم بن الحجاج و غيرهم، و عنه الدار قطنى و جماعة، و كان ثقة فهما واسع الرواية مشكور الديانة مشهورا بالعبادة. توفى في جمادى الأولى منها، و قد استكمل سبعا و سبعين سنة و ثمانية أشهر و إحدى و عشرين يوما. المجنون البغدادي روى ابن الجوزي من طريق أبى بكر الشبلي قال:
رأيت مجنونا عند جامع الرصافة و هو عريان و هو يقول: أنا مجنون اللَّه، أنا مجنون اللَّه. فقلت له: مالك ألا تستتر و تدخل الجامع و تصلى؟ فأنشأ يقول:
يقولون زرنا و اقض واجب حقنا* * * و قد أسقطت حالي حقوقهم عنى
إذا هم رأوا حالي و لم يأنفوا لها* * * و لم يأنفوا منها أنفت لهم منى
ثم دخلت سنة ثنتين و ثلاثين و ثلاثمائة
فيها خرج المتقى أمير المؤمنين من بغداد إلى الموصل مغاضبا لتورون، و هو إذ ذاك بواسط، و قد زوج ابنته من أبى عبد اللَّه البريدي، و صارا يدا واحدة على الخليفة. و أرسل ابن شير زاد في ثلاثمائة إلى بغداد فأفسد فيها و قطع و وصل، و استقل بالأمر من غير مراجعة المتقى. فغضب المتقى و خرج منها مغاضبا له بأهله و أولاده و وزيره و من اتبعه من الأمراء، قاصدا الموصل إلى بنى حمدان، فتلقاه سيف الدولة إلى تكريت، ثم جاءه ناصر الدولة و هو بتكريت أيضا، و حين خرج المتقى من بغداد أكثر ابن شيرزاد فيها الفساد، و ظلم أهلها و صادرهم، و أرسل يعلم تورون، فأقبل مسرعا نحو تكريت فتواقع هو و سيف الدولة فهزم تورون سيف الدولة و أخذ معسكره و معسكر أخيه ناصر الدولة ثم كر إليه سيف الدولة فهزمه تورون أيضا، و انهزم المتقى و ناصر الدولة و سيف الدولة من الموصل إلى نصيبين و جاء تورون فدخل الموصل و أرسل إلى الخليفة يطلب رضاه، فأرسل الخليفة يقول: لا سبيل إلى ذلك إلا أن تصالح بنى حمدان، فاصطلحوا، و ضمن ناصر الدولة بلاد الموصل بثلاثة آلاف ألف و ستمائة ألف، و رجع تورون إلى بغداد و أقام الخليفة عند بنى حمدان. و في غيبة تورون هذه عن واسط أقبل إليها معز الدولة بن بويه في خلق من الديلم كثيرين، فانحدر تورون مسرعا إلى واسط فاقتتل مع معز الدولة بضعة عشر يوما، و كان آخر الأمر أن انهزم معز الدولة و نهبت حواصله، و قتل