البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٢٨ - ثم دخلت سنة ست و ثلاثمائة
و مائة سبع مع السباعة، ثم أدخل إلى دار الشجرة، و هي عبارة عن بركة فيها ماء صاف و في وسط ذلك الماء شجرة من ذهب و فضة لها ثمانية عشر غصنا أكثرها من ذهب، و في الأغصان الشماريخ و الأوراق الملونة من الذهب و الفضة و اللآلي و اليواقيت، و هي تصوت بأنواع الأصوات من الماء المسلط عليها، و الشجرة بكمالها تتمايل كما تتمايل الأشجار بحركات عجيبة تدهش من يراها، ثم أدخل إلى مكان يسمونه الفردوس، فيه من أنواع المفارش و الآلات ما لا يحد و لا يوصف كثرة و حسنا.
و في دهاليزه ثمانية عشر ألف جوشن مذهبة. فما زال كلما مر على مكان أدهشه و أخذ ببصره حتى انتهى إلى المكان الّذي فيه الخليفة المقتدر باللَّه، و هو جالس على سرير من آبنوس، قد فرش بالديبقى المطرز بالذهب، و عن يمين السرير سبعة عشر عنقود معلقة، و عن يساره مثلها و هي جوهر من أفخر الجواهر، كل جوهرة يعلو ضوؤها على ضوء النهار، ليس لواحدة منها قيمة و لا يستطاع ثمنها، فأوقف الرسول و الذين معه بين يدي الخليفة على نحو من مائة ذراع، و الوزير على بن محمد بن الفرات واقف بين يدي الخليفة، و الترجمان دون الوزير، و الوزير يخاطب الترجمان و الترجمان يخاطبهما، فلما فرغ منهما خلع عليهما و أطلق لهما خمسين سقرقا في كل سقرق خمسة آلاف درهم، و أخرجا من بين يديه و طيف بهما في بقية دار الخلافة، و على حافات دجلة الفيلة و الزرافات و السباع و الفهود و غير ذلك، و دجلة داخله في دار الخلافة، و هذا من أغرب ما وقع من الحوادث في هذه السنة. و حج بالناس فيها الفضل الهاشمي.
و فيها توفى من الأعيان
محمد بن أحمد أبو موسى
النحويّ الكوفي المعروف بالجاحظ، صحب ثعلبا أربعين سنة و خلفه في حلقته، و صنف غريب الحديث، و خلق الإنسان، و الوحوش و النبات، و كان دينا صالحا، روى عنه أبو عمر الزاهد. توفى ببغداد في ذي الحجة منها، و دفن بباب التين.
و عبد اللَّه بشرويه الحافظ، و عمران بن مجاشع، و أبو خليفة الفضل بن الحباب. و قاسم بن زكريا ابن يحيى المطرز المقري أحد الثقات الأثبات، سمع أبا كريب، و سويد بن سعيد، و عنه الخلدى و أبو الجعانى توفى ببغداد.
ثم دخلت سنة ست و ثلاثمائة
في أول يوم من المحرم فتح المارستان الّذي بنته السيدة أم المقتدر و جلس فيه سنان بن ثابت و رتبت فيه الأطباء و الخدم و القومة، و كانت نفقته في كل شهر ستمائة دينار، و أشار سنان على الخليفة ببناء مارستان، فقبل منه و بناه و سماه المقتدري. و فيها و ردت الأخبار عن أمراء الصوائف بما فتح اللَّه عليهم من الحصون في بلاد الروم. و فيها رجفت العامة و شنعوا بموت المقتدر، فركب في الجحافل حتى بلغ الثريا و رجع من باب العامة و وقف كثيرا ليراه الناس، ثم ركب إلى الشماسية و انحدر إلى دار الخلافة في دجلة فسكنت الفتن. و فيها قلد المقتدر حامد بن العباس الوزارة و خلع عليه و خرج من