البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٥ - ثم دخلت سنة خمسين و مائتين من الهجرة
ثم دخلت سنة خمسين و مائتين من الهجرة
فيها كان ظهور أبى الحسين يحيى بن عمر بن يحيى بن حسين بن زيد بن على بن الحسين بن على ابن أبى طالب، و أمه أم الحسين فاطمة بنت الحسين بن عبد اللَّه بن إسماعيل بن عبد اللَّه بن جعفر ابن أبى طالب. و ذلك أنه أصابته فاقة شديدة فدخل سامرا فسأل وصيفا أن يجرى عليه رزقا فأغلظ له القول. فرجع إلى أرض الكوفة فاجتمع عليه خلق من الأعراب، و خرج إليه خلق من أهل الكوفة، فنزل على الفلوجة و قد كثر الجمع معه، فكتب محمد بن عبد اللَّه بن طاهر نائب العراق إلى عامله بالكوفة- و هو أبو أيوب بن الحسين بن موسى بن جعفر بن سليمان- يأمره بقتاله. و دخل يحيى ابن عمر قبل ذلك في طائفة من أصحابه إلى الكوفة فاحتوى على بيت مالها فلم يجد فيه سوى ألفى دينار و سبعين ألف درهم، و ظهر أمره بالكوفة و فتح السجنين و أطلق من فيهما، و أخرج نواب الخليفة منها و أخذ أموالهم و استحوذ عليها، و استحكم أمره بها، و التف عليه خلق من الزيدية و غيرهم، ثم خرج من الكوفة إلى سوادها ثم كر راجعا إليها، فتلقاه عبد الرحمن بن الخطاب الملقب وجه الفلس، فقاتله قتالا شديدا فانهزم وجه الفلس و دخل يحيى بن عمر الكوفة و دعا إلى الرضى من آل محمد، و قوى أمره جدا، و صار إليه جماعة كثيرة من أهل الكوفة، و تولاه أهل بغداد من العامة و غيرهم ممن ينسب إلى التشيع، و أحبوه أكثر من كل من خرج قبله من أهل البيت، و شرع في تحصيل السلاح و إعداد آلات الحرب و جمع الرجال. و قد هرب نائب الكوفة منها إلى ظاهرها، و اجتمع إليه أمداد كثيرة من جهة الخليفة مع محمد بن عبد اللَّه بن طاهر، و استراحوا و جمعوا خيولهم، فلما كان اليوم الثاني عشر من رجب أشار من أشار على يحيى بن عمر ممن لا رأى له، أن يركب و يناجز الحسين ابن إسماعيل و يكبس جيشه، فركب في جيش كثير فيه خلق من الفرسان و المشاة أيضا من عامة أهل الكوفة بغير أسلحة، فساروا إليهم فاقتتلوا قتالا شديدا في ظلمة آخر الليل، فما طلع الفجر إلا و قد انكشف أصحاب يحيى بن عمر، و قد تقنطر به فرسه ثم طعن في ظهره فخر أيضا، فأخذوه و حزوا رأسه و حملوه إلى الأمير فبعثوه إلى ابن طاهر فأرسله إلى الخليفة من الغد مع رجل يقال له عمر بن الخطاب، أخى عبد الرحمن بن الخطاب، فنصب بسامراء ساعة من النهار ثم بعث به إلى بغداد فنصب عند الجسر، و لم يمكن نصبه من كثرة العامة فجعل في خزائن السلاح. و لما جيء برأس يحيى بن عمر إلى محمد بن عبد اللَّه بن طاهر دخل الناس يهنونه بالفتح و الظفر، فدخل عليه أبو هاشم داود بن الهيثم الجعفري فقال له: أيها الأمير! إنك لتهنى بقتل رجل لو كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) حيا لعزى به، فما رد عليه شيئا ثم خرج أبو هاشم الجعفري و هو يقول:
يا بنى طاهر كلوه وبيا* * * إن لحم النبي غير مري