البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٥٥ - ثم دخلت سنة أربع و خمسين و ثلاثمائة
المصيصة فأخذها قسرا و قتل من أهلها خلقا، و استاق بقيتهم معه أسارى، و كانوا قريبا من مائتي ألف إنسان، ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. ثم جاء إلى طرسوس فسأل أهلها منه الأمان فأمنهم و أمرهم بالجلاء عنها و الانتقال منها، و اتخذ مسجدها الأعظم اسطبلا لخيوله و حرق المنبر و نقل قناديله إلى كنائس بلده، و تنصر بعض أهلها معه لعنه اللَّه. و كان أهل طرسوس و المصيصة قد أصابهم قبل ذلك بلاء و غلاء عظيم، و وباء شديد، بحيث كان يموت منهم في اليوم الواحد ثمانمائة نفر، ثم دهمهم هذا الأمر الشديد فانتقلوا من شهادة إلى شهاد أعظم منها. و عزم ملك الروم على المقام بطرسوس ليكون أقرب إلى بلاد المسلمين، ثم عن له فسار إلى القسطنطينية و في خدمته الدمستق ملك الأرمن لعنه اللَّه. و فيها جعل أمر تسفير الحجيج إلى نقيب الطالبيين و هو أبو أحمد الحسن بن موسى الموسوي، و هو والد الرضى و المرتضى، و كتب له منشور بالنقابة و الحجيج.
و فيها توفيت أخت معز الدولة فركب الخليفة في طيارة و جاء لعزائه فقبّل معز الدولة الأرض بين يديه و شكر سعيه إليه، و صدقاته عليه. و في ثانى عشر ذي الحجة منها عملت الروافض عيد غدير خم على العادة الجارية كما تقدم. و فيها تغلب على أنطاكية رجل يقال له رشيق النسيمى بمساعدة رجل يقال له ابن الأهوازي، و كان يضمن الطواحين، فأعطاه و أموالا عظيمة و أطمعه في أخذ انطاكية، و أخبره أن سيف الدولة قد اشتغل عنه بميّافارقين و عجز عن الرجوع إلى حلب، ثم تم لهما ما راماه من أخذ أنطاكية، ثم ركبا منها في جيوش إلى حلب فجرت بينهما و بين نائب سيف الدولة حروب عظيمة، ثم أخذ البلد و تحصن النائب بالقلعة و جاءته نجدة من سيف الدولة مع غلام له اسمه بشارة، فانهزم رشيق فسقط عن فرسه فابتدره بعض الأعراب فقتله و أخذ رأسه و جاء به إلى حلب، و استقل ابن الأهوازي سائرا إلى انطاكية، فأقام رجلا من الروم اسمه دزبر فسماه الأمير، و أقام آخر من العلويين ليجعله خليفة و سماه الأستاذ. فقصده نائب حلب و هو قرعويه فاقتتلا قتالا شديدا فهزمه ابن الأهوازي [و استقر بأنطاكية، فلما عاد سيف الدولة إلى حلب لم يبت بها إلا ليلة واحدة حتى سار إلى أنطاكية فالتقاه ابن الأهوازي فاقتتلوا قتالا شديدا ثم انهزم دزبر و ابن الأهوازي] [١] و أسرا فقتلهما سيف الدولة.
و فيها ثار رجل من القرامطة اسمه مروان كان يحفظ الطرقات لسيف الدولة، ثار بحمص فملكها و ما حولها فقصده جيش من حلب مع الأمير بدر فاقتتلوا معه فرماه بدر بسهم مسموم فأصابه، و اتفق أن أسر أصحاب مروان بدرا فقتله مروان بين يديه صبرا و مات مروان بعد أيام و تفرق عنه أصحابه. و فيها عصى أهل سجستان أميرهم خلف بن أحمد، و ذلك أنه حج في سنة ثلاث و خمسين
[١] سقط من المصرية.