البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٥٧ - المتنبي الشاعر المشهور
سلاحه و خيله فتواقفوا ساعة فقتل ابنه محسن و بعض غلمانه و أراد هو أن ينهزم. فقال له مولى له: أين تذهب و أنت القائل:
فالخيل و الليل و البيداء تعرفني* * * و الطعن و الضرب و القرطاس و القلم
فقال له: ويحك قتلتني، ثم كر راجعا فطعنه زعيم القوم برمح في عنقه فقتله. ثم اجتمعوا عليه فطعنوه بالرماح حتى قتلوه و أخذوا جميع ما معه، و ذلك بالقرب من النعمانية، و هو آئب إلى بغداد، و دفن هناك و له من العمر ثمان و أربعون سنة. و ذكر ابن عساكر أنه لما نزل تلك المنزلة التي كانت قبل منزلته التي قتل بها، سأله بعض الأعراب أن يعطيهم خمسين درهما و يخفرونه، فمنعه الشح و الكبر و دعوى الشجاعة من ذلك. و قد كان المتنبي جعفي النسب صلبيبة منهم، و قد ادعى حين كان مع بنى كلب بأرض السماوة قريبا من حمص أنه علوي، ثم ادعى أنه نبي يوحى إليه، فاتبعه جماعة من جهلتهم و سفلتهم، و زعم أنه أنزل عليه قرآن فمن ذلك قوله: «و النجم السيار، و الفلك الدوار، و الليل و النهار، إن الكافر لفي خسار، امض على سنتك واقف أثر من كان قبلك من المرسلين، فان اللَّه قامع بك من ألحد في دينه، و ضل عن سبيله» و هذا من خذلانه و كثرة هذيانه و فشاره، و لو لزم قافية مدحه النافق بالنفاق، و الهجاء بالكذب و الشقاق، لكان أشعر الشعراء، و أفصح الفصحاء و لكن أراد بجهله و قلة عقله أن يقول ما يشبه كلام رب العالمين الّذي لو اجتمعت الجن و الانس و الخلائق أجمعون على أن يأتوا بسورة مثل سورة من أقصر سوره لما استطاعوا. و لما اشتهر خبره بأرض السماوة و أنه قد التف عليه جماعة من أهل الغباوة، خرج إليه نائب حمص من جهة بنى الإخشيد و هو الأمير لؤلؤ بيض اللَّه وجهه، فقاتله و شرد شمله، و أسر مذموما مدحورا، و سجن دهرا طويلا، فمرض في السجن و أشرف على التلف، فاستحضره و استتابه و كتب عليه كتابا اعترف فيه ببطلان ما ادعاه من النبوة، و أنه قد تاب من ذلك و رجع إلى دين الإسلام، فأطلق الأمير سراحه فكان بعد ذلك إذا ذكر له هذا يجحده إن أمكنه و إلا اعتذر منه و استحيا، و قد اشتهر بلفظة تدل على كذبه فيما كان ادعاه من الافك و البهتان، و هي لفظة المتنبي، الدالة على الكذب و للَّه الحمد و المنة و قد قال بعضهم يهجوه:
أي فضل لشاعر يطلب* * * الفضل من الناس بكرة و عشيا
عاش حينا يبيع في الكوفة الماء* * * و حينا يبيع ماء المحيا
و للمتنبي ديوان شعر مشهور، فيه أشعار رائقة و معان ليست بمسبوقة، بل مبتكرة شائقة. و هو في الشعراء المحدثين كإمرئ القيس في المتقدمين، و هو عندي كما ذكر من له خبرة بهذه الأشياء مع تقدم أمره. و قد ذكر أبو الفرج ابن الجوزي في منتظمه قطعا رائقة استحسنها من شعره، و كذلك الحافظ