البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٦٠ - ذكر أخذ القرامطة الحجر الأسود إلى بلادهم، و ما كان منهم إلى الحجيج
استدعى بأخيه القاهر فأجلسه بين يديه و استدعاء إليه، و قبّل بين عينيه، و قال: يا أخى أنت لا ذنب لك، و قد علمت أنك مكره مقهور. و القاهر يقول: اللَّه اللَّه! نفسي يا أمير المؤمنين. فقال: و حق رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) لا جرى عليك منى سوء أبدا. و عاد ابن مقلة فكتب إلى الآفاق يعلمهم بعود المقتدر إلى الخلافة، و تراجعت الأمور إلى حالها الأول، و حمل رأس نازوك و أبى الهيجاء و نودي عليهما: هذا رأس من عصى مولاه. و هرب أبو السرايا بن حمدان إلى الموصل، و كان ابن نفيس من أشد الناس على المقتدر، فلما عاد إلى الخلافة خرج من بغداد متنكرا فدخل الموصل، ثم صار إلى أرمينية، ثم لحق بالقسطنطينية فتنصر بها مع أهلها و أما مؤنس فإنه لم يكن في الباطن على المقتدر، و إنما وافق جماعة الأمراء مكرها، و لهذا لما كان المقتدر في داره لم ينله منه ضيم، بل كان يطيب قلبه، و لو شاء لقتله لما طلب من داره. فلهذا لما عاد المقتدر إلى الخلافة رجع إلى دار مؤنس فبات بها عنده، لثقته به. و قرر أبا على بن مقلة على الوزارة، و ولى محمد بن يوسف قضاء القضاة، و جعل محمدا أخاه- و هو القاهر- عند والدته بصفة محبوس عندها، فكانت تحسن إليه غاية الإحسان، و تشترى له السراري و تكرمه غاية الاكرام.
ذكر أخذ القرامطة الحجر الأسود إلى بلادهم، و ما كان منهم إلى الحجيج
فيها خرج ركب العراق و أميرهم منصور الديلميّ فوصلوا إلى مكة سالمين، و توافت الركوب هناك من كل مكان و جانب و فج، فما شعروا إلا بالقرمطي قد خرج عليهم في جماعته يوم التروية، فانتهب أموالهم و استباح قتالهم، فقتل في رحاب مكة و شعابها و في المسجد الحرام و في جوف الكعبة من الحجاج خلقا كثيرا، و جلس أميرهم أبو طاهر لعنه اللَّه على باب الكعبة، و الرجال تصرع حوله، و السيوف تعمل في الناس في المسجد الحرام في الشهر الحرام في يوم التروية، الّذي هو من أشرف الأيام، و هو يقول: أنا اللَّه و باللَّه، أنا أنا أخلق الخلق و أفنيهم أنا. فكان الناس يفرون منهم فيتعلقون بأستار الكعبة فلا يجدي ذلك عنهم شيئا. بل يقتلون و هم كذلك، و يطوفون فيقتلون في الطواف، و قد كان بعض أهل الحديث يومئذ يطوف، فلما قضى طوافه أخذته السيوف، فلما وجب أنشد و هو كذلك.
ترى المحبين صرعى في ديارهم* * * كفتية الكهف لا يدرون كم لبثوا
فلما قضى القرمطى لعنه اللَّه أمره و فعل ما فعل بالحجيج من الأفاعيل القبيحة، أمر أن تدفن القتلى في بئر زمزم، و دفن كثيرا منهم في أماكنهم من الحرم، و في المسجد الحرام. و يا حبذا تلك القتلة و تلك الضجعة، و ذلك المدفن و المكان، و مع هذا لم يغسلوا و لم يكفنوا و لم يصل عليهم لأنهم محرمون شهداء في نفس الأمر. و هدم قبة زمزم و أمر بقلع باب الكعبة و نزع كسوتها عنها، و شققها بين