البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢١ - ثم دخلت سنة ست و خمسين و مائتين
ثم دخلت سنة ست و خمسين و مائتين
في صبيحة يوم الاثنين الثاني عشر من المحرم قدم موسى بن بغا الكبير إلى سامرا فدخلها في جيش هائل قد عباه ميمنة و ميسرة و قلبا و جناحين، فأتوا دار الخلافة التي فيها المهتدي جالسا لكشف المظالم فاستأذنوا عليه فأبطأ الأذن ساعة، و تأخر عنهم فظنوا في أنفسهم أن الخليفة إنما طلبهم خديعة منه ليسلط عليهم صالح بن وصيف، فدخلوا عليه هجما فجعلوا يراطنونهم بالتركي ثم عزموا فأقاموه من مجلسه و انتهبوا ما كان فيه، ثم أخذوه مهانا إلى دار أخرى فجعل يقول لموسى بن بغا: مالك ويحك؟ إني إنما أرسلت إليك لأتقوى بك على صالح بن وصيف. فقال له موسى:
لا بأس عليك احلف لي أنك لا تريد بى خلاف ما أظهرت. فحلف له المهتدي فطابت الأنفس و بايعوه بيعة ثانية مشافهة و أخذوا عليه العهود و المواثيق أن لا يمالئ صالحا عليهم، و اصطلحوا على ذلك. ثم بعثوا إلى صالح بن وصيف ليحضرهم للمناظرة في أمر المعتز و من قتله صالح بن وصيف من الكتاب و غيرهم، فوعدهم أن يأتيهم، ثم اجتمع بجماعة من الأمراء من أصحابه و أخذ يتأهب لجمع الجيوش عليهم، ثم اختفى من ليلته لا يدرى أحد أين ذهب في تلك الساعة، فبعثوا المنادية تنادى عليه في أرجاء البلد و تهددوا من أخفاه فلم يزل مختفيا إلى آخر صفر على ما سنذكر، ورد سليمان بن عبد اللَّه بن طاهر إلى نيابة بغداد، و سلم الوزير عبد اللَّه بن محمد بن يزداد إلى الحسن بن مخلد الّذي كان أراد صالح بن وصيف قتله مع ذينك الرجلين، فبقي في السجن حتى رجع إلى الوزارة.
و لما أبطأ خبر صالح بن وصيف على موسى بن بغا و أصحابه قال بعضهم لبعض: اخلعوا هذا الرجل- يعنى- الخليفة- فقال بعضهم: أ تقتلون رجلا صوّاما قواما لا يشرب الخمر و لا يأتى الفواحش؟ و اللَّه إن هذا ليس كغيره من الخلفاء و لا تطاوعكم الناس عليه. و بلغ ذلك الخليفة فخرج إلى الناس و هو متقلد سيفا فجلس على السرير و استدعى بموسى بن بغا و أصحابه فقال: قد بلغني ما تمالأتم عليه من أمرى، و إني و اللَّه ما خرجت إليكم إلا و أنا متحنط و قد أوصيت أخى بولدي، و هذا سيفي، و اللَّه لأضربن به ما استمسك قائمة بيدي، و اللَّه لئن سقط من شعرى شعرة ليهلكن بدلها منكم، أو ليذهبن بها أكثركم، أما دين؟ أما حياء؟ أما تستحيون؟ كم يكون هذا الاقدام على الخلفاء و الجرأة على اللَّه عز و جل و أنتم لا تبصرون؟ سواء عندكم من قصد الإبقاء عليكم و السيرة الصالحة فيكم، و من كان يدعو بأرطال الشراب المسكر فيشربها بين أظهركم و أنتم لا تنكرون ذلك، ثم يستأثر بالأموال عنكم و عن الضعفاء، هذا منزلي فاذهبوا فانظروا فيه و في منازل إخوتي و من يتصل بى هل ترون فيها من آلات الخلافة شيئا، أو من فرشها أو غير ذلك؟ و إنما في بيوتنا ما في بيوت آحاد الناس، و يقولون إني أعلم علم صالح بن وصيف، و هل هو إلا واحد منكم؟ فاذهبوا فاعلموا