البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٨٠ - ثم دخلت سنة ست و ثمانين و مائتين
اللَّه يعلم أننى كمد* * * لا أستطيع بث ما أجد
روحان لي روح تضمنها* * * بلد و أخزى حازها بلد
و أرى المقيمة ليس ينفعها* * * صبر و لا يقوى لها جلد
و أظن غائبتى كحاضرتى* * * بمكانها تجد الّذي أجد
قال المبرد فقلت: و اللَّه إن هذا طريف فزدنا منه فأنشأ يقول:
لما أناخوا قبيل الصبح غيرهم* * * و حملوها فثارت بالهوى الإبل
و أبرزت من خلال السجف ناظرها* * * ترنو إلى و دمع العين ينهمل
و ودعت ببنان عقدها عنم* * * ناديت لا حملت رجلاك بأجمل
و يلي من البين ما ذا حل بى و بهم* * * من نازل البين حان البين و ارتحلوا
يا راحل العيش عجل كي أودعهم* * * يا راحل العيس في ترحالك الأجل
إني على العهد لم أنقض مودتهم* * * فليت شعرى لطول العهد ما فعلوا
فقال رجل من البغضاء الذين معى: ماتوا. فقال الشاب: إذا أموت، فقال إن شئت. فتمطى و استند إلى سارية عنده و مات و ما برحنا حتى دفناه (رحمه اللَّه). و مات المبرد و قد جاوز السبعين.
ثم دخلت سنة ست و ثمانين و مائتين
فيها وقع تسلم آمد من ابن الشيخ في ربيع الآخر و وصل كتاب هارون بن أحمد بن طولون من مصر إلى المعتضد و هو مخيم بآمد أن يسلم إليه قنسرين و العواصم على أن يقره على إمارة الديار المصرية، فأجابه إلى ذلك، ثم ترحل عن آمد قاصد العراق و أمر بهدم سور آمد فهدم البعض و لم يقدر على ذلك، فقال ابن المعتز يهنئه بفتح آمد
أسلم أمير المؤمنين و دم* * * في غبطة و ليهنك النصر
فلرب حادثة نهضت لها* * * متقدما فتأخر الدهر
ليث فرائسه الليوث* * * فما بيض من دمها له ظفر
و لما رجع الخليفة إلى بغداد جاءته هدية عمرو بن الليث من نيسابور فكان وصولها بغداد يوم الخميس لثمان بقين من جمادى الآخرة، و كان مبلغها ما قيمته أربعة آلاف ألف درهم خارجا عن الدواب و سروج و سلاح و غير ذلك. و فيها نحارب إسماعيل بن أحمد الساماني و عمرو بن الليث، و ذلك أن عمرو بن الليث لما قتل رافع بن هرثمة و بعث برأسه إلى الخليفة سأل منه أن يعطيه ما وراء النهر مضافا إلى ما بيده من ولاية خراسان، فأجابه إلى ذلك فانزعج لذلك إسماعيل بن أحمد الساماني نائب ما وراء النهر، و كتب إليه: إنك قد وليت دنيا عريضة فاقتنع بها عن ما في يدي من هذه