البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٧٢ - ثم دخلت سنة إحدى و عشرين و ثلاثمائة
الإسلام علما و معرفة، و فصاحة و بلاغة، و عقلا و رياسة، بحيث كان يضرب بعقله المثل. و قد روى الكثير عن المشايخ، و حدث عنه الدار قطنى و غيره من الحفاظ، و حمل الناس عنه علما كثيرا من الفقه و الحديث، و قد جمع قضاء القضاة في سنة سبع عشرة و ثلاثمائة. و له مصنفات كثيرة. و جمع مسندا حافلا، و كان إذا جلس للحديث جلس أبو القاسم البغوي عن يمينه و هو قريب من سن أبيه، و جلس عن يساره أيضا ابن صاعد، و بين يديه أبو بكر النيسابورىّ، و سائر الحفاظ حول سريره من كل جانب. قالوا: و لم ينتقد عليه حكم من أحكامه أخطأ فيه قط. قلت: و كان من أكبر صواب أحكامه و أصوبها قتله الحسين بن منصور الحلاج في سنة تسع و ثلاثمائة كما تقدم. و كان القاضي أبو عمر هذا جميل الأخلاق، حسن المعاشرة، اجتمع عنده يوما أصحابه فجيء بثوب فاخر ليشتريه بنحو من خمسين دينارا، فاستحسنه الحاضرون، فدعا بالقلانسى و أمره أن يقطع ذلك الثوب قلانس بعدد الحاضرين. و له مناقب و محاسن جمة (رحمه اللَّه تعالى). توفى في رمضان منها عن ثمان و سبعين سنة، و قد رآه بعضهم في المنام فقال له: ما فعل بك ربك؟ فقال: غفر لى بدعوة الرجل الصالح إبراهيم الحربي.
ثم دخلت سنة إحدى و عشرين و ثلاثمائة
في صفر منها أحضر القاهر رجلا كان يقطع الطريق فضرب بين يديه ألف سوط، ثم ضربت عنقه و قطع أيدي أصحابه و أرجلهم. و فيها أمر القاهر بإبطال الخمر و المغاني و القيان، و أمر ببيع الجواري المغنيات بسوق النخس، على أنهن سواذج. قال ابن الأثير: و إنما فعل ذلك لأنه كان محبا للغناء فأراد أن يشتريهن برخص الأثمان. نعوذ باللَّه من هذه الأخلاق. و فيها أشاعت العامة بينهم بأن الحاجب على بن بليق يريد أن يلعن معاوية على المنابر. فلما بلغ الحاجب ذلك بعث إلى رئيس الحنابلة البربهاري أبى محمد الواعظ ليقابله على ذلك، فهرب و اختفى، فأمر بجماعة من أصحابه فنفوا إلى البصرة. و فيها عظم الخليفة وزيره على بن مقلة و خاطبه بالاحترام و الاكرام. ثم إن الوزير و مؤنسا الخادم و على بن بليق و جماعة من الأمراء اشتوروا فيما بينهم على خلع القاهر و تولية أبى أحمد المكتفي، و بايعوه سرا فيما بينهم، و ضيقوا على القاهر باللَّه في رزقه، و على من يجتمع به. و أرادوا القبض عليه سريعا. فبلغ ذلك القاهر- بلغه طريف اليشكري- فسعى في القبض عليهم، فوقع في مخالبه الأمير المظفر مؤنس الخادم، فأمر بحبسه قبل أن يراه و الاحتياط على دوره و أملاكه- و كانت فيه عجلة و جرأة و طيش و هوج و خرق شديد- و جعل في منزلته- أمير الأمراء و رياسة الجيش- طريفا اليشكري، و قد كان أحد الأعداء لمؤنس الخادم قبل ذلك. و قبض على بليق، و اختفى ولده على بن بليق، و هرب الوزير بن مقلة فاستوزر مكانه أبا جعفر محمد بن القاسم بن عبيد اللَّه، في مستهل شعبان، و خلع عليه و أمر بتحريق دار ابن مقلة، و وقع النهب ببغداد، و هاجت الفتنة، و أمر