البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٧٩ - المبرد النحويّ
ابن خمارويه، و إذنه له في ذلك و مصالحته له فيها. و فيها غزا ابن الإخشيد بأهل طرسوس بلاد الروم ففتح اللَّه على يديه حصونا كثيرة و للَّه الحمد
و فيها توفى من الأعيان.
إبراهيم بن إسحاق
ابن بشير بن عبد اللَّه بن رستم أبو إسحاق الحربي، أحد الأئمة في الفقه و الحديث و غير ذلك، و كان زاهدا عابدا تخرج بأحمد بن حنبل، و روى عنه كثيرا. قال الدار قطنى: إبراهيم الحربي إمام مصنف عالم بكل شيء بارع في كل علم، صدوق، كان يقاس بأحمد بن حنبل في زهده و ورعه و علمه، و من كلامه أجمع عقلاء كل أمة أن من لم يجر مع القدر لم يتهن بعيشه. و كان يقول: الرجل كل الرجل الّذي يدخل غمه على نفسه و لا يدخله على عياله، و قد كانت بى شقيقة منذ أربعين سنة ما أخبرت بها أحدا قط، ولى عشرون سنة أبصر بفرد عين ما أخبرت بها أحدا قط، و ذكر أنه مكث نيفا و سبعين سنة من عمره ما يسأل أهله غداء و لا عشاء، بل إن جاءه شيء أكله و إلا طوى إلى الليلة القابلة. و ذكر أنه أنفق في بعض الرمضانات على نفسه و عياله درهما واحدا و أربعة دوانيق و نصف، و ما كنا نعرف من هذه الطبائخ شيئا إنما هو باذنجان مشوى أو باقة فجل أو نحو هذا، و قد بعث إليه أمير المؤمنين المعتضد في بعض الأحيان بعشرة آلاف درهم فأبى أن يقبلها و ردها، فرجع الرسول و قال يقول لك الخليفة: فرقها على من تعرف من فقراء جيرانك. فقال: هذا شيء لم نجمعه و لا نسأل عن جمعه، فلا نسأل عن تفريقه، قل لأمير المؤمنين إما يتركنا و إما نتحول من بلده. و لما حضرته الوفاة دخل عليه بعض أصحابه يعوده فقامت ابنته تشكو إليه ما هم فيه من الجهد و أنه لا طعام لهم إلا الخبز اليابس بالملح، و ربما عدموا الملح في بعض الأحيان. فقال لها إبراهيم: يا بنية تخافين الفقر؟ انظري الى تلك الزاوية فيها اثنى عشر ألف جزء قد كتبتها، ففي كل يوم تبيعي منها جزء بدرهم فمن عنده اثنى عشر ألف درهم فليس بفقير. ثم كانت وفاته لسبع بقين من ذي الحجة و صلى عليه يوسف بن يعقوب القاضي عند باب الأنبار، و كان الجمع كثيرا جدا.
المبرد النحويّ
محمد بن يزيد بن عبد الأكبر أبو العباس الأزدي الثمالي المعروف بالمبرد النحويّ البصري إمام في اللغة و العربية، أخذ ذلك عن المازني و أبى حاتم السجستاني، و كان ثقة ثبتا فيما ينقله و كان مناوئا لثعلب و له كتاب الكامل في الأدب، و إنما سمى بالمبرد لأنه اختبأ من الوالي عند أبى حاتم تحت المزبلة. قال المبرد: دخلنا يوما على المجانين تزورهم أنا و أصحاب معى بالرقة فإذا فيهم شاب قريب العهد بالمكان عليه ثياب ناعمة فلما بصر بنا قال حياكم اللَّه ممن أنتم؟ قلنا من أهل العراق. فقال:
بأبي العراق و أهلها أنشدونى أو أنشدكم؟ قال: المبرد: بل أنشدنا أنت فأنشأ يقول: