البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٠٩ - ابن المعتز الشاعر الّذي بويع بالخلافة
بادر إلى مالك ورّثه* * * ما المرء في الدنيا بلباث
كم جامع يخنق أكياسه* * * قد صار في ميزان ميراث
و له أيضا
يا ذا الغنى و السطوة القاهرة* * * و الدولة الناهية الآمرة
و يا شياطين بنى آدم* * * و يا عبيد الشهوة الفاجرة
انتظروا الدنيا و قد أدبرت* * * و عن قليل تلد الآخرة
و له أيضا
ابك يا نفس و هاتي* * * توبة قبل الممات
قبل أن يفجعنا الدهر* * * ببين و شتات
لا تخونينى إذا مت* * * و قامت بى نعاتى
إنما الوفي بعهدي* * * من وفى بعد وفاتي
قال الصولي: نظر ابن المعتز في حياة أبيه الخليفة إلى جارية فأعجبته فمرض من حبها، فدخل أبوه عليه عائدا فقال له: كيف تجدك؟ فأنشأ يقول:
أيها العاذلون لا تعذلوني* * * و انظروا حسن وجهها تعذرونى
و انظروا هل ترون أحسن منها* * * إن رأيتم شبيهها فاعذلونى
قال: ففحص الخليفة عن القصة و استعلم خبر الجارية ثم بعث إلى سيدها فاشتراها منه بسبعة آلاف دينار، و بعث بها إلى ولده. و قد تقدم أن في ربيع الأول من هذه السنة اجتمع الأمراء و القضاة على خلع المقتدر و تولية عبد اللَّه بن المعتز هذا و لقب بالمرتضى و المنتصف باللَّه، فما مكث بالخلافة إلا يوما أو بعض يوم، ثم انتصر المقتدر و قتل غالب من خرج عليه و اعتقل ابن المعتز عنده في الدار، و و كل به يونس الخادم فقتل في أوائل ربيع الآخر لليلتين خلتا منه، و يقال إنه أنشد في آخر يوم من حياته و هو معتل:
يا نفس صبرا لعل الخير عقباك* * * خانتك من بعد طول الأمن دنياك
مرت بنا سحرا طير فقلت لها* * * طوباك يا ليتني إياك طوباك
إن كان قصدك شرقا فالسلام على* * * شاطئ الصراة بلغى إن كان مسراك
من موثق بالمنايا لا فكاك له* * * يبكى الدماء على إلف له باكي
فرب آمنة جاءت منيتها* * * و رب مفلتة من بين أشراك
أظنه آخر الأيام من عمري* * * و أوشك اليوم أن يبكى لي الباكي
و لما قدم ليقتل أنشأ يقول:
فقل للشامتين بنا رويدا* * * أمامكم المصائب و الخطوب