البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ١٥١ - على بن محمد بن الفرات الوزير
و قويت شوكته في شوال، فأرسل إليه الوزير جيشا فقاتلوه فهزموه و قتلوا خلقا من أصحابه، و تفرق بقيتهم. و هذا المدعى المذكور هو رئيس الإسماعيلية و هو أولهم. و ظفر نازوك صاحب الشرطة بثلاثة من أصحاب الحلاج: و هم حيدرة، و الشعراني، و ابن منصور، فطالبهم بالرجوع عن اعتقادهم فيه فلم يرجعوا، فضرب رقابهم و صلبهم في الجانب الشرقي. و لم يحج في هذه السنة أحد من أهل العراق لكثرة خوف الناس من القرامطة.
و فيها توفى من الأعيان
إبراهيم بن خميس
أبو إسحاق الواعظ الزاهد. كان يعظ الناس، فمن جملة كلامه الحسن قوله: يضحك القضاء من الحذر، و يضحك الأجل من الأمل، و يضحك التقدير من التدبير، و تضحك القسمة من الجهد و العناء.
على بن محمد بن الفرات الوزير
ولاه المقتدر الوزارة ثم عزله ثم ولاه ثم عزله ثم ولاه ثم عزله ثم ولاه ثم عزله ثم ولاه ثم قتله في هذه السنة، و قتل ولده، و كان ذا مال جزيل: ملك عشرة آلاف ألف دينار، و كان يدخل له من ضياعه كل سنة ألف ألف دينار، و كان ينفق على خمسة آلاف من العباد و العلماء، تجرى عليهم نفقات في كل شهر ما فيه كفايتهم، و كان له معرفة بالوزارة و الحساب، يقال إنه نظر يوما في ألف كتاب، و وقع على ألف رقعة، فتعجب من حضره من ذلك، و كانت فيه مروءة و كرم و حسن سيرة في ولاياته، غير هذه المرة فإنه ظلم و غشم و صادر الناس و أخذ أموالهم، فأخذه اللَّه أخذ القرى و هي ظالمة، أخذ عزيز مقتدر. و قد كان ذا كرم و سعة في النفقة، ذاكر عنده ذات ليلة أهل الحديث و الصوفية و أهل الأدب فأطلق من ماله لكل طائفة عشرين ألفا. و كتب رجل على لسانه إلى نائب مصر كتابا فيه وصية به منه إليه، فلما دفع المكتوب إلى نائب مصر استراب منه و قال: ما هذا خط الوزير، و أرسل به إلى الوزير، فلما وقف عليه عرف أنه كذب و زور، فاستشار الحاضرين عنده فيما يفعل بالذي زور عليه، فقال بعضهم: تقطع يديه. و قال آخر تقطع إبهاميه، و قال آخر يضرب ضربا مبرحا. فقال الوزير: أو خير من ذلك كله؟ ثم أخذ الكتاب و كتب عليه: نعم هذا خطى و هو من أخص أصحابى، فلا تتركن من الخير شيئا مما تقدر عليه إلا أوصلته إليه. فلما عاد الكتاب أحسن نائب مصر إلى ذلك الرجل إحسانا بالغا، و وصله بنحو من عشرين ألف دينار. و استدعى ابن الفرات يوما ببعض الكتاب فقال له: ويحك إن نيتي فيك سيئة، و إني في كل وقت أريد أن أقبض عليك و أصادرك، فأراك في المنام تمنعني برغيف، و قد رأيتك في المنام من ليال، و إني أريد القبض عليك، فجعلت تمتنع منى، فأمرت جندي أن يقاتلوك، فجعلوا كلما ضربوك بشيء من سهام و غيرها تتقى الضرب برغيف في يدك، فلا يصل إليك شيء، فأعلمني ما قصة هذا الرغيف.