البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢١١ - ثم دخلت سنة أربع و ثلاثين و ثلاثمائة
بعض الأحيان جيش المنصور و لم يبق إلا في عشرين نفسا. فقاتل بنفسه قتالا عظيما، فهزم أبا يزيد بعد ما كاد يقتله، و ثبت المنصور ثباتا عظيما، فعظم في أعين الناس و زادت حرمته و هيبته، و استنقذ بلاد القيروان منه، و ما زال يحاربه حتى ظفر به المنصور و قتله. و لما جيء برأسه سجد شكر اللَّه. و كان أبو يزيد هذا قبيح الشكل أعرج قصيرا خارجيا شديدا يكفر أهل الملة.
و في ذي الحجة منها قتل أبو الحسين البريدي و صلب ثم أحرق، و ذلك أنه قدم بغداد يستنجد بتورون و أبى جعفر بن شيرزاد على ابن أخيه، فوعدوه النصر، ثم شرع يفسد ما بين تورون و ابن شيرزاد، فعلم بذلك ابن شير زاد فأمر بسجنه و ضربه، ثم أفتاه بعض الفقهاء بإباحة دمه، فأمر بقتله و صلبه ثم أحرقه، و انقضت أيام البريدية، و زالت دولتهم. و فيها أمر المستكفي بإخراج القاهر الّذي كان خليفة و أنزله دار ابن طاهر، و قد افتقر القاهر حتى لم يبق له شيء من اللباس سوى قطعة عباءة يلتف بها، و في رجله قبقاب من خشب. و فيها اشتد البرد و الحر. و فيها ركب معز الدولة في رجب منها إلى واسط فبلغ خبره إلى تورون فركب هو المستكفي، فلما سمع بهما رجع إلى بلاده و تسلمها الخليفة و ضمنها أبو القاسم بن أبى عبد اللَّه، ثم رجع تورون و الخليفة إلى بغداد في شوال منها. و فيها ركب سيف الدولة على بن أبى الهيجاء عبد اللَّه بن حمدان إلى حلب فتسلمها من يأنس المؤنسي، ثم سار إلى حمص ليأخذها فجاءته جيوش الإخشيد محمد بن طغج مع مولاه كافور فاقتتلوا بقنسرين، فلم يظفر أحد منهما بصاحبه، و رجع سيف الدولة إلى الجزيرة، ثم عاد إلى حلب فاستقر ملكه بها، فقصدته الروم في جحافل عظيمة، فالتقى معهم فظفر بهم فقتل منهم خلقا كثيرا.
ثم دخلت سنة أربع و ثلاثين و ثلاثمائة
في المحرم زاد الخليفة في لقبه إمام الحق، و كتب ذلك على السكة المتعامل بها، و دعا له الخطباء على المنابر أيام الجمع. و في المحرم منها مات تورون التركي في داره ببغداد، و كانت إمارته سنتين و أربعة أشهر و عشرة أيام. و كان ابن شيرزاد كاتبه، و كان غائبا بهيت لتخليص المال، فلما بلغه موته أراد أن يعقد البيعة لناصر الدولة بن حمدان فاضطربت الأجناد و عقدوا الرئاسة عليهم لابن شيرزاد فحضر و نزل بباب حرب مستهل صفر، و خرج إليه الأجناد كلهم و حلفوا له و حلف الخليفة و القضاة و الأعيان، و دخل على الخليفة فخاطبه بأمير الأمراء، و زاد في أرزاق الجند و بعث إلى ناصر الدولة يطالبه بالخراج، فبعث إليه بخمسمائة ألف درهم و بطعام يفرقه في الناس، و أمر و نهى و عزل و ولى، و قطع و وصل. و فرح بنفسه ثلاثة أشهر و عشرين يوما. ثم جاءت الأخبار بأن معز الدولة بن بويه قد أقبل في الجيوش قاصدا بغداد، فاختفى ابن شيرزاد و الخليفة أيضا، و خرج إليه الأتراك قاصدين الموصل ليكونوا مع ناصر الدولة بن حمدان.