البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٣٣٨ - قصة مصحف ابن مسعود و تحريقه
عن المنكر، و حسن وعظه و وقعه في القلوب، و جاءه يوما رجل بمائة دينار فقال: أنا غنى عنها، قال خذها ففرقها على أصحابك هؤلاء، فقال: ضعها على الأرض. فوضعها ثم قال للجماعة. ليأخذ كل واحد منكم حاجته منها، فجعلوا يأخذون بقدر حاجاتهم حتى أنفذوها، و جاء ولده بعد ذلك فشكى إليه حاجتهم فقال: اذهب إلى البقال فخذ على ربع رطل تمر. و رآه رجل و قد اشترى دجاجة و حلواء فتعجب من ذلك فاتبعه إلى دار فيها امرأة و لها أيتام فدفعها إليهم، و قد كان يدق السعد للعطارين بالأجرة و يقتات منه، و لما حضرته الوفاة جعل يقول: سيدي لهذه الساعة خبأتك. توفى يوم الثلاثاء لسبع بقين من ذي الحجة منها، و صلى عليه بالجامع المنصوري، و دفن بمقبرة الامام أحمد.
أبو العباس بن واصل
صاحب سيراف و البصرة و غيرهما، كان أولا يخدم بالكرخ، و كان متصورا له أنه سيملك، كان أصحابه يهزءون به، فيقول أحدهم: إذا ملكت فأى شيء تعطيني؟ و يقول الآخر: ولنى، و يقول الآخر: استخدمنى، و يقول الآخر: اخلع على. فقدر له أنه تقلبت به الأحوال حتى ملك سيراف و البصرة، و أخذ بلاد البطيحة من مهذب الدولة، و أخرجه منها طريدا، بحيث إنه احتاج في أثناء الطريق إلى أن ركب بقرة. و استحوذ ابن واصل على ما هناك، و قصد الأهواز و هزم بهاء الدولة، ثم ظفر به بهاء الدولة فقتله في شعبان منها، و طيف برأسه في البلاد.
ثم دخلت سنة ثمان و تسعين و ثلاثمائة
فيها غزا يمين الدولة محمود بن سبكتكين بلاد الهند، ففتح حصونا كثيرة، و أخذ أموالا جزيلة و جواهر نفيسة، و كان في جملة ما وجد بيت طوله ثلاثون ذراعا و عرضه خمسة عشر ذراعا مملوء فضة، و لما رجع إلى غزنة بسط هذه الأموال كلها في صحن داره و أذن لرسل الملك فدخلوا عليه فرأوا ما بهرهم و هالهم. و في يوم الأربعاء الحادي عشر من ربيع الآخر وقع ببغداد ثلج عظيم، بحيث بقي على وجه الأرض ذراعا و نصفا، و مكث أسبوعا لم يذب، و بلغ سقوطه إلى تكريت و الكوفة و عبادان و النهروان. و في هذا الشهر كثرت العملات جهرة و خفية، حتى من المساجد و المشاهد ثم ظفر أصحاب الشرطة بكثير منهم فقطعوا أيديهم و كحلوهم.
قصة مصحف ابن مسعود و تحريقه
«على فتيا الشيخ أبى حامد الأسفراييني فيما ذكره ابن الجوزي في منتظمه» و في عاشر رجب جرت فتنة بين السنة و الرافضة، سببها أن بعض الهاشميين قصد أبا عبد اللَّه محمد بن النعمان المعروف بابن المعلم- و كان فقيه الشيعة- في مسجده بدرب رباح، فعرض له بالسب فثار أصحابه له و استنفر أصحاب الكرخ و صاروا إلى دار القاضي أبى محمد الأكفاني و الشيخ أبى حامد الأسفراييني،