البداية و النهاية - ابن كثير الدمشقي - الصفحة ٢٢٣ - محمد القاهر باللَّه أمير المؤمنين
ثم دخلت سنة تسع و ثلاثين و ثلاثمائة
في هذه السنة المباركة في ذي القعدة منها رد الحجر الأسود المكيّ إلى مكانه في البيت، و قد كان القرامطة أخذوه في سنة سبع عشرة و ثلاثمائة كما تقدم، و كان ملكهم إذا ذاك أبو طاهر سليمان بن أبى سعيد الحسين الجنابي، و لما وقع هذا أعظم المسلمون ذلك، و قد بذل لهم الأمير بجكم التركي خمسين ألف دينار على أن يردوه إلى موضعه فلم يفعلوا، و قالوا: نحن أخذناه بأمر فلا نرده إلا بأمر من أخذناه بأمره. فلما كان في هذا العام حملوه إلى الكوفة و علقوه على الأسطوانة السابعة من جامعها ليراه الناس، و كتب أخو أبى طاهر كتابا فيه: إنا أخذنا هذا الحجر بأمر و قد رددناه بأمر من أمرنا بأخذه ليتم حج الناس و مناسكهم. ثم أرسلوه إلى مكة بغير شيء على قعود، فوصل في ذي القعدة من هذه السنة و للَّه الحمد و المنة، و كان مدة مغايبته عنده ثنتين و عشرين سنة، ففرح المسلمون لذلك فرحا شديدا. و قد ذكر غير واحد أن القرامطة لما أخذوه حملوه على عدة جمال فعطبت تحته و اعترى أسنمتها القرح، و لما ردوه حمله قعود واحد و لم يصبه أذى.
و فيها دخل سيف الدولة بن حمدان بجيش عظيم نحو من ثلاثين ألفا إلى بلاد الروم فوغل فيها و فتح حصونا و قتل خلقا و أسر أمما و غنم شيئا كثيرا ثم رجع، فأخذت عليه الروم الدرب الّذي يخرج منه فقتلوا عامة من معه و أسروا بقيتهم و استردوا ما كان أخذه، و نجا سيف الدولة في نفر يسير من أصحابه. و فيها مات الوزير أبو جعفر الضميري فاستوزر معز الدولة مكانه أبا محمد الحسين بن محمد المهلبي في جمادى الأولى. فاستفحل أمر عمران بن شاهين الصياد و تفاقم الأمر به، فبعث إليه معز الدولة جيشا بعد جيش، كل ذلك يهزمهم مرة بعد مرة، ثم عدل معز الدولة إلى مصالحته و استعماله له على بعض تلك النواحي، ثم كان من أمره ما سنذكره إن شاء اللَّه تعالى.
و ممن توفى فيها من الأعيان.
الحسن بن داود بن باب شاذ
أبو الحسن المصري قدم بغداد. كان من أفاضل الناس و علمائهم، بمذهب أبى حنيفة، مبسوط الذكاء قوى الفهم، كتب الحديث، و كان ثقة. مات ببغداد في هذه السنة و دفن بمقبرة الشونيزية و لم يبلغ من العمر أربعين سنة.
محمد القاهر باللَّه أمير المؤمنين
ابن المعتضد باللَّه، ولى الخلافة سنة و ستة أشهر و سبعة أيام، و كان بطاشا سريع الانتقام، فخاف منه وزيره أبو على بن مقلة فاستتر منه فشرع في العمل عليه عند الأتراك، فخلعوه و سملوا عينيه و أودع دار الخلافة برهة من الدهر، ثم أخرج في سنة ثلاث و ثلاثين إلى دار ابن طاهر، و قد نالته فاقة و حاجة شديدة، و سأل في بعض الأيام. ثم كانت وفاته في هذا العام، و له ثنتان و خمسون سنة، و دفن إلى